Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

محرر الشؤون الإقتصادية لـ (وال) : قراءة في استعادة ليبيا أحد أهم أصولها النفطية في رأس لانوف .

نشر بتاريخ:

 طرابلس 12 مايو 2026 (وال) - أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أمس الإثنين، توقيع اتفاق نهائي مع شركة (تراستا) يقضي بإنهاء الشراكة داخل شركة "ليركو" وخروج الشريك الأجنبي، بما يتيح عودة مصفاة ومجمع رأس لانوف إلى الإدارة والسيادة الليبية الكاملة.

 حظي الاتفاق الذي جاء بعد أكثر من عقد من النزاعات القضائية والتحكيمية الدولية، بترحيب واسع داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الليبية، إذ اعتبرته لجنة الطاقة بمجلس النواب الليبي خطوة مهمة نحو تعزيز استقلالية القرار الوطني واستعادة السيطرة على أحد أهم الأصول النفطية والبتروكيميائية في البلاد.

 ويمثل مجمع رأس لانوف أحد الأعمدة الرئيسية للصناعة النفطية الليبية، ليس فقط لكونه من أكبر مجمعات التكرير والبتروكيميائيات في شمال أفريقيا، بل أيضا بسبب موقعه الاستراتيجي وقدرته على لعب دور محوري في خطط البلاد لزيادة القيمة المضافة من النفط الخام عبر التصنيع والتكرير بدل الاكتفاء بالتصدير التقليدي.

 كيف دخل الشريك الأجنبي؟

 تعود جذور الشراكة بين ليبيا وشركة (تراستا) إلى سنوات ما قبل عام 2011، حين اتجهت الدولة الليبية إلى فتح المجال أمام استثمارات وشراكات أجنبية لتطوير قطاع التكرير والبتروكيميائيات، في ظل حاجة البلاد إلى التمويل والخبرة الفنية والتكنولوجية.

 وفي هذا السياق، تأسست شركة "ليركو" كشراكة بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة (تراستا)، التي تتخذ من الإمارات مقرا لها، بهدف إدارة وتشغيل مجمع رأس لانوف وتطويره. وقد رُوّج للشراكة وقتذاك باعتبارها نموذجا لجذب الاستثمار الخارجي وتحديث البنية الصناعية الليبية. لكن التطورات السياسية والأمنية التي شهدتها ليبيا بعد انتفاضة 2011 قلبت المشهد بالكامل. فحالة الانقسام السياسي، حيث شكل تكرار إغلاقات الموانئ والحقول النفطية، وتراجع الإنتاج، كانت عوامل أدت إلى تعثر مشاريع التطوير، وأثرت بصورة مباشرة على استقرار الشراكة بين الطرفين.

 سنوات من النزاعات والتعقيدات .

 خلال السنوات الماضية، تحولت العلاقة بين الطرفين إلى ملف شائك اتسم بالنزاعات القانونية والتحكيمية المعقدة. وتشير بعض المصادر إلى أن الخلافات تمحورت حول مسائل الإدارة والتمويل والخسائر التشغيلية، إلى جانب الخلافات المتعلقة بالالتزامات التعاقدية بعد تدهور الوضع الأمني في البلاد.

 كما واجه مجمع رأس لانوف أضرارا كبيرة نتيجة الاشتباكات المسلحة والهجمات التي طالت منطقة الهلال النفطي عديد المرات، ما أدى إلى توقف أجزاء كبيرة من نشاطه، وتراجع قدرته التشغيلية، وخسائر مالية ضخمة.

 وفي ظل هذه الظروف، أصبح استمرار الشراكة الأجنبية محل جدل واسع داخل ليبيا، خصوصا مع تصاعد الأصوات المطالبة بضرورة استعادة السيطرة الوطنية الكاملة على الأصول الاستراتيجية، واعتبار أن المرحلة الجديدة تتطلب إدارة ليبية مباشرة لقطاع الطاقة بعيدا عن التعقيدات القانونية والسياسية المرتبطة بالشركاء الأجانب.

 أبعاد الاتفاق الجديدة .

 ورأى محرر الشؤون الاقتصادية بوكالة الأنباء الليبية (وال) أن هذا الاتفاق لا يقتصر على مجرد إنهاء نزاع قانوني، بل يحمل، أبعادا اقتصادية وسياسية وسيادية مهمة. فمن الناحية السياسية، تسعى المؤسسة الوطنية للنفط إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن ليبيا قادرة على إدارة أصولها الاستراتيجية وحماية حقوقها عبر التفاوض والمسارات القانونية، بعيدا عن منطق الصراع. أما اقتصاديا، فإن استعادة السيطرة الكاملة على مجمع رأس لانوف قد تفتح الباب أمام إعادة هيكلة المجمع وتشغيله بصورة أكثر مرونة، بما يسمح باستقطاب استثمارات جديدة وفق شروط مختلفة، أو الاعتماد على شراكات تقنية محددة دون التفريط في السيطرة الإدارية والسيادية.

 وأكد المحرر أن هذه الخطوة قد تمنح المؤسسة الوطنية للنفط مساحة أوسع لاتخاذ قرارات تتعلق بالتطوير والتوسعة وإعادة التأهيل، خصوصا أن المجمع يُعد ركيزة أساسية في أي خطة مستقبلية لرفع قدرات ليبيا في مجال التكرير والصناعات البتروكيميائية.

 تحديات ما بعد الاتفاق .

 ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان، إلا أن الطريق أمام إعادة إحياء مجمع رأس لانوف، يقول المحرر، لن يكون سهلا. فالمجمع يحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة التأهيل والصيانة بعد سنوات من التوقف والأضرار، كما أن نجاح الإدارة الليبية الكاملة يتطلب توفير بيئة مستقرة سياسيا وأمنيا.

 وأضاف المحرر أن ليبيا، علاوة على ذلك، تواجه اليوم تحديا يتعلق بقدرتها على بناء نموذج إدارة حديث وشفاف للأصول النفطية الكبرى، خاصة في ظل الانتقادات المتكررة بشأن البيروقراطية والانقسام المؤسسي والتجاذبات السياسية التي تؤثر أحيانا على قطاع الطاقة.

 واستطرد في ذات السياق أن نجاح الاتفاق سيقاس عمليا بمدى قدرة المؤسسة الوطنية للنفط على إعادة تشغيل المجمع ورفع كفاءته الإنتاجية وتحويله إلى مركز صناعي إقليمي قادر على المنافسة، وليس فقط بمجرد إنهاء الشراكة الأجنبية.

 مستقبل قطاع الطاقة الليبي .

 وأعرب محرر الشؤون الاقتصادية بـ (وال) عن الأمل في أن يشكل الاتفاق نقطة تحول في فلسفة إدارة قطاع الطاقة الليبي خلال السنوات المقبلة سواء في إطار مؤسسة النفط وشركاتها الوطنية أو من خلال شراكات دولية مدروسة بعناية تخدم المصالح الوطنية وتحمي حقوق الشريك الأجنبي. فبعد تأميم قطاع النفط تدريجيا في سبعينيات القرن الماضي، الذي بدأ بتأميم شركة بريتش بتروليوم العملاقة في ديسمبر 1971، وهي الخطوة الحاسمة التي قادت إلى تأميم كامل القطاع بين عامي 1973 و 1974، اعتمدت ليبيا على الشراكات الأجنبية لتطوير بنيتها النفطية بشكل جزئي بعد رفع العقوبات على البلاد بين عامي 2003 - 2004، وبشكل أوسع بعد تولي الراحل شكري غانم المؤسسة الوطنية للنفط عام 2006، مشيرا إلى أنه يبدو أن هناك اليوم توجها متزايدا نحو تعزيز السيطرة الوطنية مع الحفاظ على الانفتاح على الخبرات الدولية ضمن أطر أكثر توازنا.

 ورأى المحرر أن نجاح تجربة رأس لانوف قد يدفع نحو إعادة تقييم عدد من الاتفاقات والشراكات الأخرى في القطاع، خصوصا في ظل تنامي الدعوات لإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية وتعظيم العائد الاقتصادي المحلي.

 وبالفعل، في حال تمكنت المؤسسة الوطنية للنفط من إعادة تشغيل مجمع رأس لانوف بكفاءة عالية، فإن ذلك، يؤكد المحرر، سينعكس إيجابا على الاقتصاد الليبي عبر زيادة عائدات التكرير والصناعات البتروكيميائية، وتقليل الاعتماد على استيراد بعض المشتقات النفطية، إضافة إلى خلق فرص عمل جديدة وتحفيز التنمية في منطقة الهلال النفطي.

 إن هذا الاتفاق بقدر ما يعكسه من انتصار للسيادة الوطنية، فإنه سيكون اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة الليبية على إدارة مرحلة ما بعد الشراكات الأجنبية بكفاءة واستقرار. وفي جميع الأحوال، فإن ما جرى في رأس لانوف قد يمثل بداية فصل جديد في تاريخ قطاع الطاقة الليبي، عنوانه الأبرز: استعادة القرار الوطني في إدارة الثروة النفطية.

  (وال) ..