Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

أزمة الوقود في ليبيا تدخل أسبوعها الثالث; الدور في الطابور يتحول إلى سلعة جديدة .

نشر بتاريخ:

 طرابلس ــ 03 سبتمبر 2026 (وال) - لا تزال طوابير السيارات أمام محطات توزيع الوقود في عدد من المدن الليبية تتمدد، للأسبوع الثالث على التوالي، في مشهد بات جزءا من الحياة اليومية للمواطن، حيث تصطف مئات السيارات لساعات طويلة وعلى مدار الساعة، في انتظار الحصول على وقود يفترض ألا يكون الحصول عليه في بلد نفطي بهذه الصعوبة.

 ولم تعد الطوابير مقتصرة على السيارات. فقد ظهرت في المشهد طوابير أخرى لحاملي البراميل البلاستيكية، يقول أصحابها إنهم يحتاجون إلى البنزين لتشغيل المولدات الكهربائية، في ظل استمرار أزمة انقطاع التيار الكهربائي. وبين الحاجة الحقيقية إلى الوقود، تتردد أيضاً معلومات عن قيام بعض الواقفين في هذه الطوابير بإعادة بيع ما يحصلون عليه في السوق الموازية بأسعار تصل إلى أكثر من 10 أضعاف السعر الرسمي.

 لكن الجديد هذه المرة أن أزمة الوقود أفرزت نشاطا لم يكن مألوفا في الطوابير السابقة: بيع "الدور" في الطابور.

 وخلال متابعة المشهد من قبل مراسل لوكالة الأنباء الليبية، برزت حالات يجري فيها التفاوض على تسليم الدور مقابل مبالغ تتراوح، وفق ما يتم تداوله في محيط بعض المحطات، بين 40 و50 دينارا. وتقوم الفكرة على أن يقضي شخص عدة ساعات في الطابور، وعندما يقترب دوره من محطة التعبئة، يتصل بالشخص الذي اتفق معه مسبقا، فيسلّمه مكانه، ثم يعود إلى نهاية الطابور ليتولى دورا جديدا لصالح شخص آخر. وبذلك يتحول الانتظار نفسه إلى نشاط مدرّ للدخل، ويصبح "الدور" سلعة لها سعرها في سوق أزمة لا يبدو أن نهايتها قريبة.

 ويرى مراقبون للشأن الليبي، أن هذه الظاهرة، إن اتسعت، قد تعني أن الطوابير لن تختفي سريعا، لأن بعض المشاركين فيها أصبحوا يجدون فيها موردا ماليا إضافيا، بدلا من كونها مجرد وسيلة اضطرارية للحصول على الوقود.

 في المقابل، تواصل شركة البريقة لتسويق النفط، عبر موقعها الرسمي، تقديم تفسيرات متعددة لأزمة الإمدادات، من بينها ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، وانقطاعات الكهرباء، وتأخر بعض شحنات التوريد في ظل ظروف السوق العالمية وارتفاع الطلب، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والهجمات التي طالت منشآت تخزين في منطقة الزاوية.

 ويرى الخبير الاقتصادي الليبي، عبد الرحيم الشيباني، إن بعض هذه الأسباب مفهوم ويستحق المعالجة، غير أن بعضها الآخر يثير تساؤلات لدى المواطن: فارتفاع درجات الحرارة ظاهرة موسمية لا تقتصر على ليبيا، وانقطاع الكهرباء نفسه جزء من أزمة محلية مزمنة وليست إقليمية أو عالمية، كما أن الحديث عن الطلب العالمي لا يجيب بالضرورة عن سؤال جوهري: لماذا تتكرر أزمة الوقود بهذه الصورة في بلد يمتلك واحدا من أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في أفريقيا؟

 وأضاف أن المشكلة، ليست فقط في نقص الوقود، وإنما في غياب تفسير شامل ومقنع يربط بين كل هذه العوامل ويحدد المسؤوليات ويقدم تصورا واضحا للحل.

 ويقول مواطنون استطلعت وكالة الأنباء الليبية آراءهم، إن المخاوف مع اقتراب موعد العودة المدرسية تزداد، إذ يعتمد عدد كبير من الأسر على سياراتها الخاصة في نقل أبنائها، في ظل محدودية خدمات النقل العام. وهو ما يعني أن أزمة الوقود قد تتحول مع بداية العام الدراسي إلى عبء يومي إضافي على آلاف الأسر، التي سيكون عليها الاختيار بين ساعات طويلة في محطات الوقود وبين الالتزام بأعمالها وواجباتها الأسرية.

 وهنا، يلاحظ المتابعون للشأن الليبي، تلتقي أزمتان في مشهد واحد: الكهرباء التي تنقطع لساعات طويلة، والوقود الذي يحتاج المواطن إلى ساعات للحصول عليه، بينما ترتفع كلفة المعيشة وتتزايد أسعار السلع والخدمات.

 وفي خضم ذلك، تبدو بعض مظاهر الخطاب الإداري الرسمي وكأنها تزيد الفجوة بين المواطن والمسؤول.

 وبالفعل، أثار منشور متداول على مواقع التواصل الاجتماعي انتقادا لأحد مسؤولي الشركة العامة للكهرباء بعد حديثه بإيجابية عن قرار الإدارة الجديدة إلزام المديرين بإحضار أسرّة إلى مكاتبهم، باعتبار ذلك دليلا على الاستعداد للعمل في ظروف الطوارئ.

 وجاء التعليق الساخر تحت عنوان: "حين يتحول فراش المكتب إلى إنجاز كهربائي"، متسائلا عما إذا كان نوم المسؤول في مكتبه سيعيد التيار إلى منزل مواطن واحد.

 وقد تبدو المفارقة ساخرة، لكنها تعكس شعورا أعمق لدى الناس: المواطن لا يبحث عن مسؤول يقضي الليل في مكتبه بقدر ما يبحث عن مسؤول يشرح له بوضوح لماذا انقطعت الكهرباء، ولماذا امتدت طوابير الوقود، ومن يتحمل مسؤولية الخلل، ومتى يمكن أن تنتهي هذه المعاناة.

 وأكد الأستاذ في علم الاجتماع، إبراهيم بوراس أن إدارة الأزمات لا تبدأ بإدارة الصورة أمام الجمهور، وإنما بإدارة الأزمة نفسها، وتقديم المعلومات الدقيقة، ومصارحة الناس بما يحدث وما يتم فعله لمعالجته.

 وقال في هذا الصدد "في بلد يبلغ عدد سكانه نحو سبعة ملايين نسمة، ويمتلك ثروة نفطية ضخمة، يصبح مشهد مئات السيارات المصطفة طوال الليل والنهار للحصول على الوقود سؤالا أكبر من مجرد أزمة توزيع"، معتبرا أنه “سؤال يتعلق بكفاءة إدارة الموارد، وسلامة منظومة التوزيع، والرقابة على السوق، وقدرة المؤسسات على منع تحول الحاجة الأساسية إلى فرصة للمضاربة”.

 من جانبه، يرى عضو هيئة التدريس بجامعة طرابلس، عمر أبو القاسم، الذي التقاه مراسل لوكالة النباء الليبية في طابور محطة توزيع شارع الجمهورية، "أن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس فقط: متى ينتهي الطابور؟ بل: لماذا بدأ أصلا، ولماذا يستمر، ولماذا يجد بعض الناس أنفسهم مضطرين إلى شراء دورهم فيه؟"

 إن هذه الأسئلة، في راي الكثير من المراقبين، لا تحتاج إلى مزيد من البيانات المتكررة بقدر ما تحتاج إلى إجابات واضحة، وأرقام معلنة، ومسؤولية محددة، وحلول يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية. أما أن تتجاور طوابير الوقود مع طوابير الكهرباء وطوابير المصارف مع صرف كل مرتب واشتعال الأسعار، فيما يقترب العام الدراسي، فذلك يعني أن الأزمة لم تعد أزمة بنزين وحده، إنها أزمة يوم كامل من معاناة المواطن الليبي.

وال..متابعة وتصوير محمد الزرقاني.