الأنباء الليبية : حين يصبح المرض عبئا على الأسرة ؟ .
نشر بتاريخ:
استطلاع : أحلام الجبالي
بنغازي 14 يوليو 2026 م (وال) - لم يعد المرض بالنسبة إلى كثير من الأسر الليبية مصدر قلق صحي فحسب، بل تحول إلى هاجس يرتبط بارتفاع تكاليف العلاج وصعوبة توفير بعض الأدوية، في ظل ظروف معيشية واقتصادية تضغط على ميزانيات الأسر، وتجعل أي وعكة صحية طارئة اختبارًا لقدرتها على مواجهة الأعباء.
بهده المقدمة استهلت صحيفة الأنباء الليبية التابعة لـ (وال) استطلاعها على ظروف الأسر الليبية التي يكون احد أفرادها مصاب بأحد الأمراض ، وخاصة المزمنة منها ، ومعاناتها اليومية في توفير العلاج ، والأدوية والرعاية الطبية ، في ظل الظروف الحالية التي تمر بها البلاد ، وضعف أو افتقار الخدمات الطبية محليا ، وارتفاع أسعار الادوية ، والعيادات الخاصة .
وقالت الصحيفة نقلا عن مواطنة ليبية أنه في كل مرة يعود فيها أحد أطفالها من المدرسة وهو يشكو من تعب أو ألم عابر، تشعر بالقلق قبل معرفة السبب، إذ لا يرتبط خوفها بالمرض وحده، بل بما قد يترتب عليه من تكاليف علاج قد لا تتمكن الأسرة من توفيرها.
وتقول " إيمان محمد " إن أكثر ما يؤرقها هو احتمال حاجة أحد أبنائها إلى دواء أو علاج غير متوفر في المرافق الصحية أو يتطلب شراؤه من الصيدليات الخاصة، مشيرة إلى أن هذا القلق أصبح حاضرًا حتى أمام الأعراض البسيطة التي تصيب أطفالها.
ولا تقتصر هذه المخاوف على إيمان، إذ تعكس حالتها واقعًا تعيشه أسر عديدة، حيث أصبح المرض لدى كثير من الآباء والأمهات مرتبطًا بمدى القدرة على توفير العلاج وتحمل نفقاته، في ظل تحديات اقتصادية وضغوط تواجه القطاع الصحي.
- ضغوط تتجاوز الجانب الصحي
وترى الأخصائية والباحثة الاجتماعية إلهام دبوب أن الخوف من مرض أحد الأبناء أو عدم القدرة على توفير العلاج، إلى جانب القلق من تأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة، يمثل ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا متزايدًا على الأسر ، مبينة أن استمرار هذه الضغوط قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر، واضطرابات النوم، والشعور بالإرهاق النفسي، خاصة عندما يشعر الوالدان بأن إمكاناتهما لا تكفي لمواجهة الظروف الصحية الطارئة.
وتشير " دبوب " إلى أن تأثير هذه الضغوط لا يتوقف عند الوالدين، بل يمتد إلى الأبناء، إذ إن حالة القلق المستمر داخل المنزل قد تؤثر في شعورهم بالأمان، وتنعكس على سلوكهم وعلاقاتهم ودراستهم ، مؤكدة أن الأزمات الصحية والاقتصادية قد تزيد من التوتر داخل الأسرة وتؤثر في مستوى التواصل بين أفرادها، ما يجعل توفير الدعم الاجتماعي والنفسي، إلى جانب تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية، من العوامل المهمة للحفاظ على استقرار الأسرة.
- المرض الذي استنزف ميزانية الأسرة
وتروي أمينة حسين تجربة عاشتها أسرتها عندما أصيب اثنان من أبنائها بالمرض خلال فترة زمنية قصيرة، لتبدأ رحلة استمرت نحو أسبوعين لكل منهما بين مراجعة الأطباء وإجراء الفحوصات وشراء الأدوية.
وتقول أمينة إن تكاليف العلاج استنزفت جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة خلال وقت قصير، الأمر الذي دفعها إلى تقليص المصروفات وتأجيل بعض الاحتياجات، لتتمكن من توفير المتطلبات الأساسية من الطعام والشراب.
وتوضح أن تأثير الأزمة لم يكن ماديًا فقط، بل انعكس على أجواء المنزل، حيث بدأ بعض الأبناء يربطون بين مرض أشقائهم وتراجع مصروفات الأسرة، وهو ما شكل ضغطًا نفسيًا إضافيًا عليها.
وتضيف أن أكثر ما يؤلمها هو ملاحظتها تغير طريقة تعامل بعض الأبناء مع المرض، إذ أصبح الخوف من تكرار تجربة العلاج والإنفاق حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، حتى في مواقف بسيطة مرتبطة بعاداتهم وتصرفاتهم خوفًا من تعرض أحدهم للمرض مرة أخرى.
وتؤكد أن هذه الحالة خلقت توترًا مستمرًا داخل المنزل، وأصبح المرض مصدر قلق لا يرتبط بالصحة فقط، بل بما قد يسببه من ضغوط مالية ونفسية على الأسرة.
- القلق من نقص العلاج وتأثيره النفسي
من جانبه، يؤكد الأخصائي النفسي خالد عطية أن الخوف من عدم القدرة على توفير العلاج يمثل ضغطًا نفسيًا كبيرًا يطال المريض وأفراد أسرته، خصوصًا رب الأسرة الذي يجد نفسه أمام مسؤولية تأمين العلاج في ظروف قد لا تسمح له بذلك.
ويشير عطية إلى أن المرضى، لا سيما المصابين بأمراض مزمنة، قد يتأثرون نفسيًا بمجرد الشعور باحتمال نقص العلاج أو تأخره، ما يؤدي إلى زيادة القلق والتوتر والانفعال، وقد ينعكس على حالتهم الصحية.
ويضيف أن رب الأسرة يعيش بدوره حالة من الضغط نتيجة الشعور بالعجز والخوف من عدم القدرة على تلبية احتياجات المريض، وهو ما قد يؤدي إلى سيطرة الأفكار السلبية وفقدان الشعور بالأمان.
ويؤكد أن التعامل مع هذه الآثار يتطلب انتظام توفير العلاج، ودعم الأسر محدودة الدخل، إلى جانب تقديم المساندة النفسية للمرضى وأسرهم لمساعدتهم على تجاوز تبعات المرض.
- أثر يتجاوز الأسرة
ولا تقتصر آثار الضغوط الصحية والاقتصادية على الأسرة وحدها، بل تمتد إلى المجتمع، إذ إن تراكم الأزمات قد يؤثر في العلاقات الأسرية والمجتمعية، ويزيد من مشاعر القلق وفقدان الأمان لدى الأفراد.
ويرى المختصون أن استقرار الأسرة يمثل أحد ركائز استقرار المجتمع، وأن استمرار الضغوط المرتبطة بالصحة والمعيشة قد يترك آثارًا أوسع على السلوك العام والتوازن الاجتماعي.
وتشير هذه الشهادات إلى أن آثار المرض لا تتوقف عند حدود الحالة الصحية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل الأسرة، وقدرتها على مواجهة متطلبات المعيشة.
فبين الخوف على الأبناء وارتفاع تكاليف العلاج، تعيش أسر كثيرة حالة من القلق المستمر، في انتظار ظروف صحية واقتصادية أكثر استقرارًا تمنحها شعورًا أكبر بالأمان والقدرة على مواجهة الطوارئ.
(وال)