Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

ليبيا بين وفرة النفط وأزمة الوقود: لماذا تستورد دولة نفطية البنزين والديزل؟(تقرير)

نشر بتاريخ:

طرابلس 04 يونيو 2026 (وال) – بات مشهد الطوابير الطويلة المتكررة بصورة دورية أمام محطات الوقود في مختلف المدن والمناطق الليبية من المشاهد التي تسبب إرهاقا نفسيا للمواطنين وتؤثر على الإنتاج والوقت والتنقل رغم أن ليبيا تُعد من أكبر الدول الإفريقية امتلاكا لاحتياطيات النفط الخام. 

وفي مفارقة تثير استغراب المواطنين والمراقبين على حد سواء، تستمر البلاد منذ عقود في استيراد كميات كبيرة من البنزين والديزل لتغطية احتياجات السوق المحلية، بينما تُصدر ملايين البراميل من النفط الخام إلى الأسواق العالمية.

وأصبحت أزمة نقص المحروقات خلال السنوات الأخيرة، جزءا من المشهد اليومي في ليبيا، حيث تتكرر الاختناقات في الإمدادات بمعدل يقارب مرتين شهريا في بعض المناطق وانقطاع الامدادات لعدة أسابيع وأحيانا لعدة اشهر في مناطق أخرى خاصة في شمال غرب البلاد وفي الجنوب (على تخوم مسالك التهريب)، ما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام محطات التوزيع وظهور طوابير تمتد أحيانا لمئات الأمتار، وسط حالة من الاستياء الشعبي والتساؤلات حول أسباب استمرار الأزمة في بلد يعتمد اقتصاده أساسا على النفط.

ويرى خبراء في قطاع الطاقة أن المشكلة لا تكمن في نقص النفط الخام، بل في محدودية قدرات التكرير المحلية، فالمصافي الليبية الحالية أُنشئت قبل عقود، وبعضها يعمل بأقل من طاقته التصميمية بسبب الحاجة إلى أعمال صيانة وتحديث مستمرة. كما أن جزءا من البنية التحتية الخاصة بالتكرير تعرض خلال السنوات الماضية إلى أضرار أو توقفات متكررة نتيجة الظروف الأمنية والسياسية التي تمر بها البلاد.

وتعتمد ليبيا بصورة كبيرة على عدد محدود من المصافي لتغطية الطلب المحلي المتزايد على الوقود. إلا أن الإنتاج المحلي لا يكفي لتلبية احتياجات السوق، الأمر الذي يفرض اللجوء إلى الاستيراد لسد العجز، ويترتب على ذلك استنزاف مبالغ مالية كبيرة من الخزانة العامة، رغم أن البلاد تمتلك الموارد الخام اللازمة لإنتاج هذه المشتقات محليا.

وأكد الخبير النفطي الليبي محمد مصطفى بن زيادة أن أزمة المحروقات في ليبيا ترتبط بشكل مباشر بملف أمن الطاقة، الذي يقوم أساسا على ضمان توفر إمدادات الطاقة بصورة مستمرة وكافية وبأسعار مستقرة، محذرا من أن أي خلل في توفير الوقود أو ارتفاع تكلفته ينعكس سلبا على الاقتصاد والأمن القومي.

وأوضح بن زيادة في تصريح إلى وكالة الأنباء اليبية (وال) اليوم الخميس أن توفير المشتقات النفطية للسوق المحلية يمثل أحد أهم ركائز أمن الطاقة في ليبيا، ويشمل ذلك غاز الطهي والبنزين والكيروسين والديزل وزيت الوقود. ورغم أن ليبيا من الدول المنتجة والمصدرة للنفط الخام، فإنها لا تزال تعتمد على استيراد الجزء الأكبر من احتياجاتها من البنزين والديزل وغاز الطهي بسبب محدودية القدرات التكريرية للمصافي المحلية وعدم قدرتها على تلبية الطلب المتزايد في السوق.

وأشار إلى أن هذا الوضع يشكل تهديدا دائما لأمن الطاقة الوطني، لأن تأمين هذه المشتقات يبقى مرتبطا بعوامل خارجية لا تملك الدولة السيطرة عليها بشكل كامل، ما يجعل معالجة هذا الخلل أولوية قصوى لصناع القرار السياسي والاقتصادي.

وبيّن بن زيادة أن الدول عادة ما تلجأ إلى خيارين رئيسيين لتعزيز أمنها الطاقوي، يتمثل الأول في إنشاء وتطوير المصافي لتكرير النفط محليا، بينما يقوم الثاني على بناء قدرات تخزينية استراتيجية تضمن استمرار الإمدادات عند حدوث اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية.

 وأضاف أن ليبيا تعاني نقصا في كلا الجانبين، إذ إن الطاقة التكريرية الحالية غير كافية، كما فقدت البلاد جزءا كبيرا من قدراتها التخزينية نتيجة الأحداث التي شهدتها خلال السنوات الماضية، الأمر الذي يفسر تكرار أزمات الوقود واختناقات التوزيع عند أي طارئ.

ولفت الخبير النفطي إلى أن قطاع النفط الليبي أدرك مبكرا أهمية تطوير المصافي، حيث أُعدت منذ سنوات خطط ودراسات لتطوير مصفاتي رأس لانوف والزاوية، إلى جانب مشاريع لإنشاء مصفاة زوارة ومصفاة الجنوب قرب أوباري، فضلا عن خطط لتطوير مصفاة طبرق. إلا أن معظم هذه المشاريع لم ترَ النور بسبب جملة من المعوقات، من بينها العقوبات الدولية التي فُرضت على ليبيا خلال تسعينيات القرن الماضي، ثم صعوبات التمويل وضعف الدعم الحكومي للمشروعات الاستراتيجية، فضلا عن تداعيات الانقسام السياسي والظروف الأمنية التي أعقبت عام 2011.

واعتبر بن زيادة أن تجربة تطوير مصفاة رأس لانوف تمثل مثالا واضحا على التحديات التي واجهت القطاع، مشيرا إلى أن مشروع الشراكة الذي أُطلق لتطوير المصفاة لم يحقق أهدافه نتيجة سوء اختيار الشريك الاستثماري، إلى جانب الخلافات التعاقدية والتطورات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد.

وأكد أن تطوير قطاع التكرير في ليبيا يتطلب استثمارات ضخمة وخطة تنفيذية طويلة الأمد تتناسب مع الإمكانيات التمويلية المتاحة، مع ضرورة توفير بيئة آمنة ومستقرة تضمن نجاح هذه المشاريع واستمراريتها. 

كما شدد على أهمية إعطاء الأولوية للمشاريع ذات الجدوى الاقتصادية المرتفعة، موضحا أن إنشاء مصفاة كبيرة بطاقة تكريرية عالية قد يكون أكثر جدوى من التوسع في إنشاء مصافٍ صغيرة ومتوسطة، بما يسهم في تقليص الاعتماد على الواردات وتعزيز أمن الطاقة في البلاد على المدى الطويل.

من جانبه قال الناطق باسم شركة البريقة لتسويق النفط، أحمد المسلاتي، في تصريح لـ (وال) إن ملف تكرير النفط في ليبيا يٌعد من الملفات الاستراتيجية المرتبطة بسياسات الدولة والمؤسسة الوطنية للنفط، وليس من اختصاص شركة البريقة لتسويق النفط بشكل مباشر باعتبار أن دور الشركة يتركز في استلام المحروقات وتخزينها وتوزيعها على شركات التوزيع وفق البرامج التشغيلية المعتمدة.

ومع ذلك، يضيف المسلاتي، يمكن القول إن عدم تطوير المصافي أو إنشاء مصاف جديدة بالقدر الكافي خلال السنوات الماضية يعود إلى عدة عوامل متداخلة، من بينها الظروف السياسية والأمنية التي مرت بها البلاد وتعطل أو تأخر تنفيذ بعض المشاريع الاستراتيجية، إضافة إلى الحاجة لميزانيات ضخمة واعتمادات مستقرة، وبيئة تنفيذية مناسبة تسمح بإنجاز مشاريع بهذا الحجم خاصة أن مشاريع المصافي تحتاج إلى سنوات من التخطيط والتمويل والتنفيذ والتشغيل.

وأوضح أن تزايد الطلب المحلي على الوقود وتضرر بعض البنية التحتية والاعتماد الجزئي على التوريد من الخارج، كلها عوامل جعلت الحاجة إلى تطوير قدرات التكرير المحلي أكثر إلحاحا، ليس فقط لتغطية السوق، بل أيضا لتعزيز الأمن الطاقوي وتقليل كلفة الاستيراد والحد من أي اختناقات مستقبلية.

أما بخصوص وجود خطط، أكد المسلاتي أنه يُوجد بالفعل توجه عام داخل قطاع النفط نحو تطوير البنية التحتية، ورفع السعات التخزينية وتحسين قدرات التكرير والإمداد، وهي ملفات تُطرح ضمن خطط المؤسسة الوطنية للنفط والجهات المختصة، إلا أن تنفيذها يتطلب توفير التمويل اللازم والاستقرار المؤسسي، واعتماد الميزانيات وتذليل العراقيل الفنية والتعاقدية.

ولاحظ الناطق باسم شركة البريقة لتسويق النفط في ذات السياق أن أزمة الوقود لا ترتبط بملف المصافي وحده فقط، بل هي نتيجة منظومة متكاملة تبدأ من التوريد والإنتاج المحلي، وتمر بالتخزين والنقل والتوزيع وتنتهي بالمحطات إضافة إلى تحديات التهريب والتسرب غير المشروع وارتفاع الاستهلاك، مؤكدا في هذا الخصوص أن الحلول يجب أن تكون شاملة وتشمل تطوير المصافي، وزيادة السعات التخزينية، وتحديث منظومة النقل والتوزيع، وتفعيل الرقابة والتتبع الإلكتروني.

وأرجع الخبير الاقتصادي الليبي عبد الرحيم الشيباني أسباب عدم تطوير مصافي النفط الليبية إلى وجود خلل في العملية الصناعية في ليبيا بشكل عام إلى جانب الأداء السيء وغير المهني، واختيار شركاء غير مؤهلين على غرار الشريك الإماراتي في مصفاة راس لانوف، وتعقيدات سوق الطاقة الدولي.

وتُضاف إلى هذه التحديات مشكلة الدعم الحكومي للمحروقات، حيث تُباع منتجات الوقود بأسعار منخفضة للغاية مقارنة بأسعارها في دول الجوار، وبينما يهدف الدعم إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين، فإنه خلق في الوقت نفسه فجوة سعرية واسعة أصبحت عامل جذب لشبكات التهريب.

ويؤكد مراقبون أن جزءا من أزمة نقص الوقود يعود إلى عمليات تهريب منظمة تستهدف البنزين والديزل المدعومين. فالفارق الكبير بين الأسعار المحلية والأسعار السائدة في الأسواق المجاورة يحقق أرباحا ضخمة للمهربين، ما يدفع بعض الكميات المخصصة للاستهلاك المحلي إلى الخروج من البلاد بطرق غير قانونية.

ولا تقتصر آثار التهريب على الخسائر المالية فقط، بل تسهم أيضا، بحسب المراقبين للشأن الليبي، في زيادة الضغط على الإمدادات المتاحة داخل السوق المحلية، الأمر الذي يؤدي إلى تكرار حالات النقص ويدفع المواطنين إلى الاصطفاف لساعات طويلة أمام محطات الوقود. كما تنشط السوق السوداء خلال فترات الأزمات، حيث تُباع المحروقات بأسعار تفوق السعر الرسمي بأضعاف.

ومن بين العوامل الأخرى التي تزيد من تعقيد المشهد، غياب منظومة متكاملة للرقابة والتوزيع تضمن وصول الوقود إلى مستحقيه بكفاءة عالية. فعلى الرغم من الجهود التي بُذلت خلال السنوات الماضية لتطوير آليات التوزيع والحد من التسرب والتهريب، فإن التحديات اللوجستية والإدارية لا تزال قائمة، خصوصًا في ظل اتساع الرقعة الجغرافية للبلاد وتعدد منافذ النقل والتوزيع.

ويرى مختصون أن الحل الجذري للأزمة يتمثل في الاستثمار في قطاع التكرير وتطوير المصافي القائمة وإنشاء مصاف حديثة قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلية وتوفير فائض للتصدير. غير أن تنفيذ مثل هذه المشاريع يتطلب، بحسب الخبراء، استثمارات بمليارات الدولارات، إضافة إلى بيئة مستقرة سياسيا وأمنيا تضمن استمرارية العمل لسنوات طويلة.

ويدعو خبراء الاقتصاد والطاقة إلى تبني استراتيجية شاملة تتضمن تحديث البنية التحتية النفطية، وتعزيز الرقابة على عمليات توزيع الوقود، ومكافحة التهريب، وإعادة النظر في سياسات الدعم بما يحقق التوازن بين حماية المواطن والحفاظ على الموارد العامة.

تشير تقديرات وتقارير رقابية ودولية إلى أن تكلفة واردات الوقود إلى ليبيا تجاوزت 9 مليارات دولار خلال عام 2024، وهو رقم ضخم بالنسبة لبلد منتج ومصدر للنفط الخام ويمتلك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، في حين أشار ديوان المحاسبة إلى وجود فجوات رقابية مرتبطة بملف توريد الوقود وآليات المقايضة النفطية.

وفي الوقت الذي تستمر فيه ليبيا في ضخ النفط الخام إلى الأسواق العالمية، يبقى المواطن الليبي يطرح السؤال ذاته كلما وجد نفسه في طابور طويل أمام محطة وقود: كيف يمكن لدولة نفطية بهذا الحجم أن تعاني نقصا متكررا في البنزين والديزل؟

ويبقى الجواب مرتبطا بمجموعة من العوامل المتداخلة، تبدأ من محدودية قدرات التكرير المحلية، مرورا بسنوات من عدم الاستقرار وتأخر مشاريع التطوير، وصولا إلى تحديات التهريب وسوء إدارة الإمدادات، وهي عوامل جعلت أزمة المحروقات في ليبيا تتجاوز كونها مشكلة فنية أو لوجستية، لتتحول إلى قضية اقتصادية وتنموية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، وتطرح تساؤلات ملحة حول مستقبل إدارة الثروة النفطية في البلاد.

(وال)