ارتفاع الأضاحي في ليبيا بين التهريب وتراجع قيمة الدينار (تقرير)
نشر بتاريخ:
متابعة وتصوير: فريق وال .
طرابلس 24 مايو 2026 م ( وال) - تشهد ليبيا منذ سنوات ، متغيرات وتقلبات اقتصادية ومالية ، تسببت في أزمة معيشية متفاقمة ألقت بظلالها الثقيلة على مختلف جوانب الحياة اليومية للمواطنين، في ظل استمرار تراجع قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية، وارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل غير مسبوق.
ومع غياب الاستقرار الاقتصادي وضعف الرقابة على الأسواق، أصبحت المناسبات الدينية والاجتماعية وحتى العودة المدرسية، تمثل عبئا إضافيا على الأسر الليبية، التي تجد نفسها عاجزة عن تلبية أبسط احتياجاتها.
ويأتي موسم عيد الأضحى هذا العام في إطار هذه التحديات، بعدما شهدت أسعار الأضاحي ارتفاعا قياسيا وغير مسبوق أرجعه تجار ومربو مواشٍي إلى عدة عوامل، أبرزها تفشي ظاهرة التهريب عبر الحدود، وارتفاع أسعار الأعلاف، إضافة إلى ضعف السيطرة الفعلية للدولة على المنافذ الحدودية، الأمر الذي ساهم في استنزاف الثروة الحيوانية ورفع الأسعار داخل السوق المحلية.
وأكد عبد السلام العمراني، وهو تاجر مواشٍي يبلغ من العمر 55 عامًا، أن السبب الرئيسي وراء ارتفاع أسعار الأضاحي هذا العام يعود إلى عمليات تهريب المواشي نحو دول الجوار، تحديدا تونس ومصر، إلى جانب ارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة والمحلية.
وأوضح في تصريح إلى وكالة الأنباء الليبية (وال) أن الخراف تُهرّب من المنطقة الغربية إلى تونس، ومن المنطقة الشرقية إلى مصر، مشيرا إلى أن التهريب لم يعد يقتصر على الأغنام فقط، بل شمل الأبقار المستوردة والإبل القادمة من السودان وتشاد بسبب ارتفاع أسعار اللحوم في هذه الدول.
وأضاف العمراني أن المهربين يستغلون الانخفاض المستمر في قيمة الدينار الليبي لتحقيق أرباح كبيرة، وهو ما تسبب في اشتعال الأسعار داخل الأسواق الليبية. وأشار إلى أن الأضحية التي تُباع في ليبيا بنحو 2500 دينار يمكن بيعها في السوق التونسي بما يتراوح بين 1300 و1500 دينار تونسي، في وقت يواصل فيه الدينار الليبي فقدان قيمته في السوق الموازية.
ورصد مراسلو وكالة الأنباء الليبية خلال جولات ميدانية بعدد من الأسواق حالة من الركود وضعف الإقبال على شراء الأضاحي، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعانيها الأسر الليبية، وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل عام ، وأصبحت قيمة الأضحية تتجاوز قدرة شريحة واسعة من المواطنين، ليس فقط من ذوي الدخل المحدود، بل حتى العديد من كبار موظفي القطاع العام الذين لم تعد رواتبهم تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.
ويرى عدد من تجار المواشي أن الأسعار الحالية غير مسبوقة على الإطلاق، مؤكدين أن ارتفاع سعر صرف الدولار وزيادة تكاليف النقل والأعلاف انعكس بشكل مباشر على أسعار المواشي. وقال عبد الرزاق الطرابلسي، وهو تاجر مواشٍي، إن الأسعار شهدت هذا العام ارتفاعًا وصفه بـ "المبالغ فيه"، نتيجة زيادة تكاليف الشراء من المربين، فضلًا عن تكاليف النقل المرتفعة. وأوضح أن نقل شاحنة مواشٍي واحدة من بنغازي إلى طرابلس قد تصل تكلفته إلى 3500 دينار، وهو ما يُضاف تلقائيا إلى سعر الأضحية النهائي.
وأشار الطرابلسي إلى أن أسعار الأضاحي تتراوح حاليًا بين 2500 و5000 دينار بحسب الحجم والعمر، مؤكدا أنهم يحاولون مراعاة الظروف الاقتصادية للمواطنين عبر تقديم تخفيضات محدودة لبعض ذوي الدخل المحدود. كما أوضح أن التجار لجأوا إلى توفير وسائل دفع إلكترونية بالتعاون مع خدمات مصرفية مختلفة، في محاولة لتجاوز أزمة شح السيولة النقدية بالمصارف وتسهيل عمليات الشراء.
ولفت إلى الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف، مبينا أن سعر قنطار الشعير وصل إلى نحو 350 دينارا، بينما ارتفعت أسعار التبن والأعلاف الأخرى بشكل ملحوظ مقارنة بالعام الماضي. واستغرب استمرار ارتفاع أسعار الأعلاف والأضاحي رغم تراجع سعر صرف الدولار نسبيا خلال الأشهر الماضية، معتبرا أن الأسواق لم تشهد هذا الغلاء حتى عندما تجاوز الدولار عشرة دنانير في السوق الموازية، ما يؤكد، بحسب رأيه، أن عمليات التهريب التي زادت بشكل ملحوظ وغير مسبوق، ساهمت بشكل كبير في لهيب الأسعار.
من جهته، أكد طلال علي، وهو بائع أغنام في طرابلس، أن أقل سعر للأضحية تجاوز ألفي دينار، رغم أن بعضها صغير الحجم ولا يتجاوز عمره ستة أشهر، فيما وصلت أسعار بعض الكباش إلى ستة ألاف مضيفا أن أصحاب الدخل المحدود مثل المتقاعدين وحتى الكثير من الموظفين لم يعودوا قادرين على شراء الأضحية في ظل تدني الرواتب وارتفاع تكاليف الحياة.
كما أوضح علي أحمد، وهو مربّي أغنام بمنطقة الخلة في طرابلس، أن أسعار الأعلاف سجلت مستويات قياسية وصلت إلى 300 دينار للقنطار، في ظل غياب الدعم الحكومي للأعلاف وعدم تدخل الجهات المختصة لضبط الأسعار أو دعم المربين. وأضاف أن تكلفة تربية الخروف الواحد أصبحت مرتفعة جدا خاصة مع استمرار ظاهرة الجفاف لعدة سنوات والاعتماد بالكامل على الأعلاف المصنعة.
وفي المقابل، عبّر مواطنون عن استيائهم من العجز المتواصل للدولة عن معالجة الأزمة ، وقال المواطن محمد علي، وهو أب لأربعة أطفال، إن راتبه البالغ 1800 دينار لم يعد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية لأسرته، ناهيك عن شراء أضحية للعيد. وأضاف أن الكثير من الأسر باتت تكتفي بالتجول داخل الأسواق ومشاهدة الأضاحي دون القدرة على شرائها، في مشهد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطن الليبي.
كما أكد المواطن فتحي الطرابلسي أن الحديث عن دعم الأضاحي يتكرر سنويا دون أي خطوات عملية ملموسة، متسائلا "لماذا لا تقوم الدولة باستيراد الأضاحي وبيعها مباشرة إلى المواطنين بدل منح اعتمادات للتجار الذين يستوردون أعدادا بسيطة ويعيدون تدوير الدولار في السوق السوداء، وهو أمر لا يخفى على أحد، بحسب قوله، بينما قالت وداد عمر، وهي أم لطفلتين تتقاضى راتبا ضمانيا بقيمة 900 دينار، إن أسعار الأضاحي أصبحت تفوق قدرتها المادية بأضعاف، مطالبة الجهات المختصة بالتدخل العاجل لتوفير أضاحي بأسعار مدعومة.
ويجمع مواطنون وتجار ومربو مواشيٍ على أن الأزمة الحالية ليست مرتبطة فقط بارتفاع أسعار الأعلاف أو تكاليف النقل، بل تتعلق أيضا باستمرار ضعف الدينار الليبي وغياب الرقابة الفعلية على الحدود، ما سمح بازدهار عمليات التهريب واستنزاف السوق المحلية. ويرى كثيرون أن أي حلول مؤقتة لن تكون كافية ما لم تُتخذ إجراءات حقيقية لضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وتحسين قيمة العملة الوطنية، لأن استمرار ضعف الدينار وغياب سيطرة الدولة سيبقيان العاملين الأساسيين وراء ارتفاع الأسعار وتفاقم معاناة المواطن الليبي عاما بعد آخر.
وفي ظل الارتفاع غير المسبوق لأسعار الأضاحي وتزايد الأعباء المعيشية على الأسر الليبية، يؤكد كثير من المراقبين أهمية توضيح الجوانب الدينية المرتبطة بشعيرة الأضحية، خاصة في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة ، فالأضحية تُعد سنة مؤكدة وليست فرضا على المسلم غير القادر، وهو ما يستوجب من العلماء وأئمة المساجد تكثيف التوعية عبر المنابر وخطب الجمعة، وبيان الأحكام الشرعية بصورة واضحة وجلية، حتى لا يشعر محدودو الدخل بالعجز أو الحرج الاجتماعي لعدم تمكنهم من شراء الأضحية.
كما يرى هؤلاء المراقبون أن نشر هذا الوعي الديني في المساجد وعبر وسائل الإعلام من شأنه التخفيف من الضغوط النفسية والمعيشية التي تعانيها الأسر الليبية، في وقت أصبحت فيه الأولوية لدى كثير منها تأمين أساسيات الحياة اليومية.
(وال)