الجبل الأخضر.. كنز ليبيا الطبيعي تحت تهديد النار والفحم .
نشر بتاريخ:
بنغازي 09 مايو 2026 (وال) - في كل ربيع، حين تتوشح ربوع الجبل الأخضر بالخضرة وتفوح رائحة المطر والتراب، تتجه أنظار الليبيين نحو هذه المنطقة الساحرة التي تمثل الرئة الطبيعية الوحيدة المتبقية في البلاد حيث تتعانق الغابات مع الجبال والوديان والبحر، ويجد المواطن متنفسا من صخب المدن وقسوة المناخ الصحراوي. لكن خلف هذا الجمال الأخاذ، تتصاعد المخاوف عاما بعد آخر من خطر يهدد هذه الثروة الوطنية خاصة الحرائق والإهمال والاعتداء المستمر على الغطاء النباتي والغابي.
وفي هذا الصدد أطلقت هيئة السلامة الوطنية تحذيرات واضحة عبر منصة وكالة الأنباء الليبية بشأن احتمالية اندلاع حرائق في مناطق الجبل الأخضر مع تزايد الإقبال على التنزه خلال موسم الربيع والصيف وارتفاع درجات الحرارة المصحوبة بالرياح.
وأكد مدير فرع هيئة السلامة الوطنية بالجبل الأخضر العميد سليمان امحيميد، أن المحافظة على هذه البيئة مسؤولية جماعية تتطلب وعيا والتزاما من المواطنين، خاصة مع ازدياد السياحة الداخلية في المنطقة. كما حذر مدير إدارة النظم الجغرافية والبيئية بوزارة البيئة فارس فتحي من خطورة الظروف المناخية الحالية التي قد تساعد على انتشار الحرائق بسرعة كبيرة وتحويل مساحات واسعة من الغابات إلى رماد في ساعات قليلة.
إن الحرائق ليست الخطر الوحيد الذي يهدد الجبل الأخضر، بل هناك سلسلة من الممارسات التي تستنزف موارده الطبيعية بشكل خطير، يأتي في مقدمتها قطع الأشجار وتحويلها إلى فحم، وهي ظاهرة باتت تنتشر بصورة مقلقة، حيث تُقطع الأشجار المعمرة دون رادع حقيقي، ما يؤدي إلى تراجع الغطاء الغابي وتدمير المواطن الطبيعية للحيوانات والطيور. إن هذه الجريمة البيئية لا يجب أن تُواجه بالتحذيرات فقط، بل بقوانين صارمة وتنفيذ حقيقي على الأرض، عبر الضرب بيد من حديد على كل من يعتدي على الأشجار أو يشارك في الاتجار بالفحم الناتج عن تدمير الغابات.
كما أن من أبرز التحديات التي تواجه المنطقة أيضا التوسع فيما يعرف بـ "الزراعة الورقية"، وهي زراعات تستهلك كميات ضخمة من المياه والتربة دون مردود استراتيجي حقيقي، الأمر الذي يهدد مستقبل الموارد الطبيعية في الجبل الأخضر، خاصة مع التغيرات المناخية وتراجع معدلات الأمطار. لذلك أصبح من الضروري - برأي الخبراء - إعادة النظر في السياسات الزراعية داخل المنطقة، والتوجه نحو دعم الزراعات الاستراتيجية التي تخدم الأمن الغذائي الليبي وتحافظ على التوازن البيئي، مثل زراعة الحبوب والأشجار المثمرة الملائمة لطبيعة المنطقة كالتين والزيتون واللوز والعنب والتفاح.
إن حماية الجبل الأخضر لا يمكن أن تتحقق بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى خطة وطنية متكاملة تبدأ بتعزيز الوعي البيئي لدى المواطنين، خاصة فئة الشباب والطلبة، عبر حملات توعية مستمرة حول مخاطر الحرائق وأهمية الحفاظ على الغابات. كما يجب تجهيز فرق الإطفاء والدفاع المدني بالمعدات الحديثة ووسائل الرصد والتدخل السريع، وإنشاء نقاط مراقبة داخل المناطق الغابية لرصد أي حرائق في بدايتها قبل خروجها عن السيطرة.
ومن المهم كذلك فرض رقابة صارمة على أماكن التنزه خلال مواسم الربيع والصيف، وتغريم كل من يترك المخلفات أو يشعل النيران بشكل عشوائي. فالكثير من الحرائق تبدأ من سلوكيات بسيطة لكنها مدمرة، كترك الفحم مشتعلًا أو رمي أعقاب السجائر وسط الأعشاب الجافة.
وفي الجانب التنموي، يحتاج الفلاح في الجبل الأخضر إلى دعم حقيقي يمكنه من الاستمرار في الزراعة دون اللجوء إلى استنزاف الطبيعة. ويشمل ذلك توفير البذور والأسمدة والمعدات الزراعية الحديثة، وتسهيل الحصول على القروض الزراعية، وتحسين الطرق الزراعية وشبكات الري، إضافة إلى تشجيع الصناعات الغذائية المرتبطة بالمحاصيل المحلية، بما يخلق فرص عمل ويحافظ على استقرار السكان في مناطقهم وترشيد التوسع في البناء والتقليل من الكتل الإسمنتية.
كما يجب إطلاق مشاريع وطنية واسعة لإعادة التشجير وزراعة الأحزمة الخضراء، مع إشراك البلديات ومؤسسات المجتمع المدني والكشافة والمدارس والجامعات في حملات التشجير والتنظيف، حتى يشعر الجميع بأن حماية الجبل الأخضر مسؤولية وطنية مشتركة وليست مهمة جهة واحدة فقط.
إن الجبل الأخضر ليس مجرد منطقة سياحية أو مساحة جغرافية عابرة، بل هو ذاكرة وطن وجمال طبيعة وثروة بيئية لا تُقدر بثمن. وإذا استمرت الحرائق والاعتداءات والإهمال، فإن ليبيا قد تستيقظ يوما على كارثة بيئية حقيقية تفقد فيها آخر ما تبقى من غاباتها ومساحاتها الخضراء.
ومن هنا، يبرز نداء الاستغاثة لكل مسؤول ومواطن: أنقذوا الجبل الأخضر قبل فوات الأوان. احموا أشجاره من النيران والفؤوس، وصونوا مياهه وتربته من الاستنزاف، وامنحوا هذه الأرض فرصة للحياة من جديد. فالأوطان التي تفقد غاباتها، تفقد جزءا من روحها، وليبيا اليوم بحاجة إلى أن تحافظ على روحها الخضراء حاضرا وللأجيال القادمة.
(وال).