إعداد : قسم الشؤون الدولية .
نشر بتاريخ:
طرابلس 21 ديسمبر 2013 (وال)- اتسعت المواجهات المسلحة بين القوات الحكومية
و"المتمردين" في جنوب السودان حيث انتشر القتال من عاصمة جنوب السودان جوبا إلى عدة
مناطق أخرى في هذه البلاد الوليدة بعد وقت قصير من إعلان الرئيس سيلفا كير ميارديت
إحباط محاولة قلب نظام حكمه في عطلة نهاية الأسبوع الماضي.
وبحسب تقارير إخبارية انتشر القتال الذي اندلع فجر الاثنين الماضي إلى ست ولايات
وبخاصة جونغلي وشرق الاستوائية ومدينة بانتيو عاصمة ولاية الوحدة المنتجة للنفط حيث
واجهت قوات جيش جنوب السودان مقاتلين يعتقد أنهم موالون لنائب الرئيس السابق رياك
ماشار.
غير أن هذا الأخير نفى - في أول تصريح له نقلته "البي بي سي" من مكان غير معروف -
ضلوعه في المحاولة الانقلابية واتهم في المقابل الرئيس سيلفا كير بخلق ذريعة لتصفية
خصومه والتغطية على فشل حكومته.
وجاءت هذه التطورات وسط دعوات دولية بوقف القتال والجلوس إلى مائدة المفاوضات وعلى
خلفية تحذيرات من الرئيس الأمريكي باراك أوباما من انزلاق هذه الدولة الوليدة في
متاهات الحرب الأهلية .
وأوفدت الولايات المتحدة مبعوثا خاصا في محاولة لدعوة أطراف النزاع المسلح في جنوب
السودان لضبط النفس بعد أن أرسلت 45 جنديا لحماية بعثتها الدبلوماسية في جوبا. ومن
جهتها تقود العديد من الدول الأفريقية خاصة دول الجوار بدعم من الاتحاد الإفريقي
محادثات مع الرئيس سيلفا كير لإحتواء الموقف ووقف القتال الذي أسفر حتى الآن عن
مئات القتلى والجرحى.
المحاولة الانقلابية في جنوب السودان لن تكون الأخيرة تأكيدا وتكشف أن جنوب السودان
لم يشذ عن القاعدة في دول ما يسمى بالعالم الثالث حيث أن رفاق السلاح والنضال
بالأمس هم أعداء اليوم في الصراع على الكرسي.
لقد سارع ماشار إلى تكذيب الاتهامات التي ساقها الرئيس سيلفا كير بعد أن كان أبعده
في يوليو الماضي مؤكدا أن "كير يريد إحباط العملية الديمقراطية في البلاد وأنه خرق
الدستور عدة مرات ولم يعد الرئيس الشرعي للبلاد".
إن الصراع الدموي الذي تفجر في جنوب السودان وأسفر عن مئات القتلى والجرحى وآلاف
المشردين والنازحين والذي نأمل أن يتم تطويقه بأسرع وقت ممكن هو صراع من أجل السلطة
والنفوذ له خلفياته القبلية بامتياز مثل أي صراع آخر في القارة الأفريقية والعالم
الثالث.
لقد مرت أفريقيا بتاريخ نضالي مرير ضد الاستعمار والعنصرية وبرز على المشهد
السياسي الأفريقي زعماء قدموا نفسهم على أنهم وطنيون ليتولوا قيادة نضال شعوبهم من
أجل الحرية إلا أنهم سرعان ما غرقوا في صراعات كانت أشد ضراوة ودموية من مقارعة
المستعمر عندما جلسوا على الكراسي ، فقاموا بتصفية خصومهم السياسيين والقبليين
الذين قاتلوا جنبا إلى جنب معهم ثم تحولوا إلى جلادين وطغاة لشعوبهم فأشاعوا ثقافة
الفساد وخلقوا بطانات للقتل والتنكيل لإطالة أمد بقائهم في الكرسي وعملوا على
سياسات التوريث العبثية على حساب تجويع شعوبهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.
لقد كان الزعيم نلسون مانديلا هو الاستثناء الوحيد في أفريقيا وبذلك استحق جنازة
كانت مهرجانا احتفاليا عالميا لم يكن لينعم به لو تمسك بكرسي الرئاسة الذي استحقه
عن جدارة وليس على ظهر دبابة.
لا شك أن الذي يحدث في دول ثورات الربيع العربي ليس ببعيد عما يشهده جنوب السودان
اليوم. لقد خرجت شعوب هذه الدول عن صمتها بعد سنين طويلة من الدماء والدموع والقهر
والحرمان على أيدي طغاة متكبرين لتنادي بدولة الحرية والكرامة والقانون والمؤسسات
والتداول السلمي على السلطة إلا أنها اكتشفت أن "الجلادين" تقمصوا جلابيب أخرى
واتضح أنه ليس لديهم أي مشروع سوى السيطرة على الكرسي وتهميش الآخر ولكنهم سينتهون
حتما - وفق منطق التاريخ - إلى السقوط .
( وال )