Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

حين تتحول الحروف إلى لوحات تنبض بالجمال في معرض بنغازي الدولي للكتاب

نشر بتاريخ:

متابعة : هبة الفيتوري

بنغازي 04 نوفمبر 2026م ( وال) – بين القلم والمسطرة، وفي مساحة تتجاوز حدود الكتابة ومعاني الحروف، يجد الفنان التشكيلي والخطاط الليبي محمد سالم هارون عالماً خاصاً يصوغ فيه الحرف العربي بتكوينات هندسية وجمالية، محولاً إياه من وسيلة للتعبير إلى عنصر فني يحمل ملامح الهوية وذاكرة الثقافة.

وفي أروقة معرض بنغازي الدولي للكتاب، حيث تلتقي المعرفة بالفنون وتتعدد مساحات التعبير الثقافي، التقت وكالة الأنباء الليبية الفنان هارون، الذي استعرض جانباً من تجربته في الخط الكوفي المسطر، وما يتيحه هذا الفن من إمكانات جمالية وتشكيلية تتجاوز حدود الكتابة التقليدية.

وعلى مدى أكثر من خمسة عشر عاماً، انشغل هارون بهذا الفن، باحثاً في إمكانات الحروف العربية الثمانية والعشرين، وما تختزنه من مرونة وقابلية للتشكيل، ليطور أسلوباً فنياً يقوم على إعادة ترتيب الحروف وتطويع خطوطها في تكوينات تجمع بين الدقة الهندسية والذائقة الجمالية.

ويقول هارون إن شغفه بالرسم والخط العربي قاده إلى التخصص في الخط الكوفي المسطر، مضيفاً: “أتعامل مع الحروف العربية باعتبارها عناصر فنية تتجاوز وظيفتها الكتابية، لما تمتلكه من رشاقة وليونة ومرونة وطواعية تتيح للفنان تشكيلها بطرق مختلفة”.

ويضيف أن هذا الفن يعتمد على القلم والمسطرة ومخيلة الفنان وقدرته على تطويع الحروف، موضحاً أن تجربته مكنته من تطوير أسلوب خاص وبصمة فنية في التعامل مع الحرف العربي، بحيث تصبح الحروف المتجاورة والمتداخلة تكوينات بصرية تتسم بالتناسق والجمال.

ولا تنفصل هذه التجربة عن مسيرة شخصية ومهنية امتدت لسنوات؛ إذ أمضى هارون نحو ثلاثين عاماً في العمل بالخطوط الجوية الليبية، وهي فترة أتاحت له السفر والاطلاع على ثقافات الشعوب المختلفة في أوروبا وآسيا والوطن العربي، وأسهمت في إثراء معارفه وتطوير رؤيته الفنية.

وقد أثمرت رحلته مع الخط الكوفي المسطر عن حصوله على المركز الأول على مستوى الوطن العربي في هذا المجال، إلى جانب مشاركته في عدد من المعارض المحلية والدولية وحصوله على شهادات تقدير، وهي إنجازات يراها مصدر اعتزاز له وللفنانين الليبيين.

غير أن طموح هارون لا يتوقف عند حدود اللوحة، فهو يرى أن الحرف العربي يمتلك إمكانات تؤهله للانتقال إلى فضاءات أوسع، ولا سيما المجال المعماري، حيث يمكن توظيف التكوينات الخطية في تصميم المباني والواجهات.

ويؤكد في هذا السياق أن “الحرف العربي ليس مجرد وسيلة للكتابة، بل يمكن أن يكون عنصراً جمالياً ومعمارياً”، داعياً إلى تحويل الحروف والمخطوطات إلى تصاميم فنية تدخل في تشكيل المباني، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام الإبداع الليبي ويمنحه فرصاً أوسع للحضور في المحافل الدولية.

وفي مقابل هذا الطموح، يعرب هارون عن أسفه لما يواجهه الفنانون والمبدعون من نقص في الاهتمام والرعاية والدعم، مشيراً إلى أن كثيراً من الأفكار الفنية تحتاج إلى إمكانات وبيئة حاضنة تساعد على تحويلها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ والعرض.

وتكشف تجربته عن جانب من العلاقة العميقة بين الفن والهوية، فالحرف العربي الذي ظل عبر قرون حاملاً للمعرفة واللغة والذاكرة الثقافية، لا يزال قادراً على التجدد والدخول في أشكال إبداعية مختلفة، متى وجد من يقرأ إمكاناته ويتعامل معه بعين الفنان ومخيلة المبتكر.

ولا يحصر هارون الإبداع في مجال فني بعينه، بل يرى أنه يمتد إلى مختلف المهن والتخصصات، معتبراً أن “الوطنية الحقيقية تتمثل فيما يقدمه الإنسان من عمل وإنتاج يسهم في خدمة بلاده وإبراز قدرات أبنائها”.

وهكذا، يواصل الفنان الليبي رحلته مع الحرف، مستنداً إلى أدوات بسيطة في ظاهرها، لكنها تفتح أمام مخيلته عوالم واسعة من التشكيل، ليؤكد أن الحروف التي نقرأها كل يوم يمكن أن تصبح أيضاً فناً نراه، وهوية نتأملها، وجسراً يصل جماليات الماضي بآفاق الإبداع المعاصر.  

 ( وال – بنغازي )