Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

حين تتوحد ليبيا تُصان كرامتها

نشر بتاريخ:

تعليق محرر الشؤون الدولية بوكالة الأنباء الليبية

طرابلس، 27 أكتوبر 2026 (وال) – تكشف ردود الفعل الليبية تجاه الواقعة المرتبطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما أُثير بشأنها من اعتذار، عن دلالة سياسية تتجاوز حدود الحدث ذاته، لتعيد التأكيد على أن الكرامة الوطنية والسيادة تظلان من القواسم المشتركة القادرة على جمع الليبيين، رغم ما بينهم من خلافات سياسية وانقسامات مؤسسية.

ففي بلد تتعدد فيه المواقف والتوجهات، وتتعقد فيه مسارات التوافق، يبرز التفاعل مع القضايا التي تمس مكانة ليبيا واحترام شعبها بوصفه مؤشراً على وجود أرضية وطنية مشتركة، لا تلغي الاختلاف، لكنها تضع الانتماء إلى الوطن فوق الحسابات السياسية الضيقة.

وتكتسب هذه الواقعة أهميتها من توقيتها أيضاً، في ظل حاجة ليبيا إلى استعادة دورها الإقليمي والدولي، وترسيخ صورتها دولةً ذات سيادة، وشعباً متمسكاً بهويته وحقه في الاحترام المتبادل. فالمواقف الصادرة عن الشخصيات الدولية، مهما كان وزن أصحابها، تظل خاضعة لمعيار أساسي في العلاقات بين الدول، هو احترام الشعوب وعدم المساس بكرامتها أو الانتقاص من مكانتها.

ولعل الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من هذا التفاعل هي أن وحدة الليبيين ليست أمراً مستحيلاً، كما قد توحي به مشاهد الانقسام، بل هي إمكانية وطنية تتجدد عندما يتعلق الأمر بالثوابت الجامعة. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الوحدة من موقف عابر تفرضه الأحداث إلى نهج سياسي مستدام ينعكس على مسار المصالحة الوطنية، وتوحيد المؤسسات، وبناء دولة قادرة على التعبير عن إرادة شعبها وصون مصالحه.

وفي هذا السياق، تستحضر الذاكرة الوطنية تاريخ الليبيين في مقاومة الاستعمار والدفاع عن الأرض والهوية، وهو تاريخ يؤكد أن اختلاف الظروف وتفاوت موازين القوة لم يمنعا أبناء ليبيا، في محطات مفصلية، من الالتقاء حول معنى الوطن وحقه في الحرية والاستقلال والكرامة.

أما على مستوى العلاقات الليبية الأمريكية، فإن التعامل مع هذه الواقعة ينبغي أن يستند إلى مبدأ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيداً عن التصعيد أو التوظيف السياسي الضيق. فالاعتذار، متى ثبتت تفاصيله واتضحت دلالاته، يمكن أن يشكل مدخلاً لتجاوز الخلاف، وفتح المجال أمام علاقات أكثر توازناً تقوم على احترام السيادة وتحقيق المصالح المشتركة، وفق قاعدة المنفعة المتبادلة، لا منطق الإملاء أو الانتقاص.

إن أهمية اللحظة لا تكمن في رد الفعل وحده، بل في ما يمكن أن تؤسسه من وعي وطني جديد؛ وعي يدرك أن الدفاع عن كرامة ليبيا لا ينفصل عن مسؤولية بنائها، وأن السيادة لا تُصان بالشعارات وحدها، وإنما بمؤسسات موحدة، وموقف سياسي متماسك، واقتصاد قادر على دعم استقلال القرار الوطني.

لقد أظهرت هذه الواقعة، في حدود ما تعكسه من تفاعل شعبي، أن ثمة مساحة مشتركة يستطيع الليبيون الالتقاء عندها، وأن استثمار هذه المساحة يظل مسؤولية وطنية تتطلب تجاوز الخلافات، وتغليب المصلحة العامة، والانتقال من وحدة الموقف إلى وحدة العمل.

فإذا كان الدفاع عن كرامة الوطن قادراً على جمع الليبيين في لحظة واحدة، فإن الرهان الأكبر يتمثل في أن يصبح هذا الشعور أساساً لبناء الدولة، وتوحيد مؤسساتها، وتعزيز حضورها في محيطها العربي والإفريقي والدولي.

فليبيا التي يجتمع أبناؤها على صون كرامتها، تملك فرصة لأن يجتمعوا أيضاً على بناء مستقبلها.

...( وال ) ...