من الكتاب إلى أسئلة المجتمع.. عشرة أيام من المعرفة والحوار في طرابلس .
نشر بتاريخ:
طرابلس، 25 أكتوبر 2026 (واا) – من حصيلة ثلاث دورات انتقل خلالها معرض النيابة العامة الدولي للكتاب من مشاركة تسع عشرة دولة في دورته الأولى إلى تسع وعشرين دولة في دورته الثالثة، ومن 250 دار نشر إلى أكثر من 450 دارا، يستعيد المعرض، الذي اختتم مساء اليوم الأحد على أرض معرض طرابلس الدولي، تجربته بوصفه تظاهرة ثقافية تتجاوز عرض الإصدارات إلى فتح مساحات للحوار حول المعرفة والهوية والمجتمع ومستقبل الثقافة في ليبيا.
وتقدم قراءة الدكتور ميلاد رضوان، مدير إدارة البحوث والدراسات والإحصاء بمركز البحوث الجنائية والتدريب، جانبا من هذه الحصيلة؛ إذ يرى أن الدورة الثالثة تميزت باتساع المشاركة الدولية، وتحسن التنظيم، وإدراج المعرض ضمن قائمة المعارض العربية والدولية، بما يجعل الرابع عشر من أكتوبر موعدا سنويا لانطلاق دوراته المقبلة، وفق ما أوضحه في حديثه لوكالة الأنباء الليبية (وال) على هامش اختتام الفعاليات.
ويستند رضوان في تقييمه إلى تجربة الدورات السابقة، التي أعقبتها تقارير شاملة عُرضت على لجان مختصة لتحديد عناصر القوة ومواطن القصور، والاستفادة من نتائج التقييم في تطوير التجربة اللاحقة. وهي آلية تضع المعرض أمام استحقاق لا يقل أهمية عن زيادة المشاركات، يتمثل في تحويل التوسع الكمي إلى جودة مستدامة في التنظيم والمحتوى الثقافي ومدى وصول المعرفة إلى جمهورها.
وفي حديثه عن أسعار الكتب، التي أثارت تساؤلات عدد من الزوار، ولا سيما الطلبة والشباب، أشار رضوان إلى تعدد العوامل المؤثرة في تكلفة الكتاب، ومن بينها سعر الصرف، موضحا أن اللجنة العليا المنظمة اتخذت إجراءات لتخفيف الأعباء، شملت توفير كوبونات شراء بقيم مختلفة، وتقديم امتيازات للناشرين أسهمت، بحسب إفادته، في تخفيض الأسعار بنسب تراوحت بين 50 و60 و70 في المئة في بعض الحالات.
ولفت إلى أن إقامة المعرض في طرابلس تسهم كذلك في تقليل تكاليف الوصول بالنسبة إلى الزوار القادمين من مدن أخرى، مؤكدا أن المعرض ليس سوقا لشراء الكتب فحسب، بل فضاء لتبادل الأفكار والرؤى والثقافات، وأن الفعاليات المصاحبة تمثل جزءا أساسيا من رسالته الرامية إلى توظيف المعرفة في خدمة المجتمع والحد من الجريمة.
من أروقة المعرض إلى أسئلة الثقافة الليبية
وعلى امتداد أيامه، التي انطلقت في الرابع عشر من أكتوبر تحت شعار "الأثر والتجديد"، قدم المعرض مشهدا ثقافيا متعدد المسارات، شاركت فيه دور نشر محلية وعربية ودولية، وتجاورت فيه إصدارات مختلفة مع لقاءات وحوارات تناولت قضايا تتصل بالإنسان الليبي وماضيه وحاضره ومستقبله.
وكان التراث الليبي أحد أبرز الخيوط التي انتظمت في عدد من اللقاءات، إذ أعادت الحوارات مع المهتمين بمدن الجنوب وموروثها الثقافي تسليط الضوء على غات والصحراء الكبرى، بما تختزنه المنطقة من ذاكرة تاريخية وشواهد حضارية، وعلى غدامس وما تحتفظ به من مخطوطات ومعارف متصلة بتاريخ التجارة والقوافل والحياة الاقتصادية قبل اكتشاف النفط.
وفي هذا السياق، برزت أهمية ما طرحه عبد العزيز محمد الحسناوي، رئيس جمعية نقوش أكاكوس للثقافة والفنون والتراث في غات، بشأن القيمة الثقافية والحضارية للمدينة ومحيطها الصحراوي، إلى جانب الاهتمام بتوثيق العادات الاجتماعية، ومنها طقوس الزواج، باعتبارها جزءا من التراث غير المادي الذي تتعرض بعض مكوناته لخطر النسيان إذا لم تنتقل معارفه إلى الأجيال الجديدة.
ولم يتوقف النقاش عند استعادة الماضي، بل امتد إلى السؤال عن إمكان تحويل التراث إلى مورد للتنمية، عبر السياحة الثقافية والتعريف بالمواقع التاريخية والمخطوطات والفنون المحلية، بما يتيح لليبيا تنويع مصادر اقتصادها، ويمنح المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية فرصة أكبر للحضور في المشهد الوطني.
المسرح والكتاب والتحولات الرقمية
وحضر المسرح الليبي في النقاش الثقافي من خلال لقاء مع الكاتب والمخرج المسرحي علي موسى الفلاح، عضو مجلس أمناء الهيئة العربية للمسرح، الذي تتيح تجربته الممتدة عبر عقود قراءة التحولات التي عرفها المسرح الليبي، والتوقف عند حاجته إلى فضاءات إنتاج وعرض، وإلى جمهور يجد في المسرح جزءا من حياته الثقافية، لا نشاطا موسميا عابرا.
كما فتحت لقاءات المعرض نافذة على التجارب العربية وإمكانات التعاون الثقافي، من خلال الحوار مع الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير، مدير معهد العالم العربي في باريس، حول فرص بناء شراكات مع المؤسسات الليبية، وتعزيز حضور الأدب الليبي في الخارج، وتطوير الترجمة والتبادل الثقافي، في وقت تتسع فيه الأسئلة حول مستقبل الكتاب الورقي وعلاقة الإبداع بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي الجانب الفكري، تناولت فعاليات أخرى أثر الرقمنة والتطبيقات الذكية في التحولات الاجتماعية والعلاقات الأسرية، ومستقبل الكتابة الإبداعية في عصر الذكاء الاصطناعي. وهي موضوعات لا تنفصل عن واقع يفرض على المؤسسات الثقافية والتعليمية إعادة التفكير في أدواتها، وفي الكيفية التي يمكن بها توظيف التكنولوجيا دون إهدار قيمة القراءة النقدية والقدرة الإنسانية على الإبداع.
وتقاطعت هذه الأسئلة مع حوارات تناولت حماية الأطفال، ومسؤولية المجتمع والمؤسسات في صون حقوقهم، بما يؤكد أن الثقافة ليست منفصلة عن القضايا القانونية والاجتماعية، وأن المعرفة تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تساعد على فهم المشكلات وتطوير وسائل التعامل معها.
نجاح التنظيم واستحقاقات ما بعد الاختتام
وفي مقابل هذا التنوع، ظلت أسعار الكتب أحد التحديات التي تستحق معالجة مستمرة، فالتخفيضات والكوبونات قد تخفف العبء خلال أيام المعرض، لكن توسيع قاعدة القراءة يحتاج إلى سياسات أوسع تتيح الكتاب بأسعار مناسبة، وتدعم المكتبات العامة والمدرسية والجامعية، وتشجع النشر والتوزيع، وتضمن استمرار الصلة بين القارئ والكتاب بعد إغلاق الأجنحة.
كما تطرح طبيعة الفعاليات الثقافية سؤالا عن مدى وصولها إلى الفئات التي تستهدفها، وعن قدرة المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية على تحويل هذه اللقاءات إلى فرص مشاركة أوسع، خصوصا بين الطلبة والشباب والباحثين، بحيث لا يبقى الحوار الثقافي محصورا في دائرة المهتمين به أصلا.
ومع إسدال الستار على الدورة الثالثة، تبدو حصيلة المعرض أوسع من أعداد الدول ودور النشر، على أهميتها في قياس النمو. فالقيمة الأعمق تكمن في قدرته على ترسيخ الكتاب بوصفه مدخلا إلى النقاش العام، وربط الثقافة بقضايا المجتمع، واستعادة التراث باعتباره موردا للهوية والتنمية، وفتح المجال أمام أسئلة المستقبل.
وبينما تتجه الأنظار إلى الدورة الرابعة، يبقى التحدي أن تتحول نتائج التقييم إلى خطوات ملموسة، وأن تستمر الفعاليات الثقافية في إحداث أثر يتجاوز أيام المعرض. فنجاح التظاهرات الثقافية لا يُقاس فقط بعدد المشاركين أو اتساع مساحة العرض، بل بما تتركه في وعي الناس، وما تتيحه من فرص للقراءة والحوار والإبداع، وهو الأثر الذي يمنح شعار "الأثر والتجديد" معناه الأبعد من مجرد عنوان لدورة انتهت.
(وال)
متابعة وتصوير - أميرة التومي – محمد الزرقاني