غات.. ذاكرة الصحراء التي تنتظر استثمار إرثها الحضاري .
نشر بتاريخ:
طرابلس 24 أكتوبر 2026 (وال) – في أقصى الجنوب الغربي من ليبيا، حيث تمتد الصحراء الكبرى بفضائها الرحب، وتتجاور الجبال مع الواحات، تختزن مدينة غات صفحات عريقة من تاريخ الإنسان وحضارته، وتنهض شواهدها الأثرية ونقوشها الصخرية دليلا على تعاقب الأزمنة وتفاعل البشر مع بيئتهم عبر آلاف السنين.
ولا تقتصر أهمية غات على موقعها الجغرافي أو ما تزخر به من معالم طبيعية وأثرية، بل تتجاوز ذلك إلى إرث ثقافي وإنساني تشكل عبر قرون من حركة القوافل والتبادل التجاري والتواصل بين شمال الصحراء وجنوبها، فضلاً عن الصناعات التقليدية والعادات والتقاليد التي لا تزال تحمل ملامح من هوية المكان وذاكرته.
غير أن هذا الرصيد الحضاري يطرح سؤالا يتجاوز حدود الحماية والصون إلى كيفية تحويل التراث إلى مشروع ثقافي وتنموي مستدام، يعرّف الأجيال الجديدة بتاريخها، ويجعل من غات والصحراء الليبية وجهة للبحث العلمي والسياحة الثقافية.
وفي هذا السياق، استضافت وكالة الأنباء الليبية، اليوم السبت، رئيس جمعية نقوش أكاكوس للثقافة والفنون والتراث في غات، والباحث في شؤون التراث، عبد العزيز محمد الحسناوي، مواكبة لمشاركته في الدورة الثالثة من معرض النيابة العامة الدولي للكتاب بطرابلس، للحديث عن واقع التراث في غات، والتحديات التي تواجه المحافظة عليه، والفرص التي يتيحها لتطوير السياحة الثقافية والتنمية في الجنوب الليبي.
غات.. محطة تاريخية للقوافل والتبادل التجاري
وأوضح الحسناوي أن غات تمثل إحدى الوجهات السياحية والأثرية المهمة في ليبيا، لما تتمتع به من مقومات طبيعية وتاريخية وثقافية، مشيرا إلى أن المدينة أدت دورا بارزا عبر التاريخ بوصفها محطة للقوافل التي ربطت شمال المنطقة بجنوبها، وأسهمت في حركة التجارة والتبادل بين المجتمعات الصحراوية.
وأضاف أن غات كانت تشهد أسواقا للمقايضة في فصلي الصيف والشتاء، يقصدها التجار من غدامس وطرابلس ومناطق ليبية أخرى، حيث كانت تُتداول مختلف السلع والبضائع، في مشهد يعكس المكانة التي احتلتها المدينة ضمن شبكة الطرق التجارية العابرة للصحراء.
وأشار إلى أن هذا الدور التاريخي، إلى جانب ما تتمتع به غات من صناعات تقليدية ومعالم أثرية ومدن تاريخية، منحها مقومات تؤهلها لتكون وجهة للسياحة الثقافية والتراثية، لافتا إلى أنها رُشحت في وقت سابق لتكون عاصمة للسياحة الليبية.
وبيّن الحسناوي في حديثه لـ (وال) أن المدينة تحتضن أحد أقدم المهرجانات السياحية في ليبيا، الذي انطلقت دورته الأولى عام 1994، وتستعد دورته المقبلة للوصول إلى النسخة الثانية والثلاثين، معتبرا أن هذا المهرجان يمثل نافذة مهمة للتعريف بالمدينة وموروثها الثقافي، لكنه لا يكفي وحده للنهوض بالقطاع السياحي ما لم تصاحبه مشروعات ومؤسسات دائمة.
وأكد الحاجة إلى إنشاء متحف في غات يتولى جمع المقتنيات والشواهد التاريخية وعرضها وتوثيقها، إلى جانب تأسيس معهد متخصص في دراسة الآثار، بما يتيح إجراء البحوث العلمية وتعزيز المعرفة بتاريخ المنطقة، ويمنح جهود المحافظة على التراث أساسا مؤسسيا مستداما.
المدينة القديمة.. ترميم متأخر وذاكرة مهددة
وفي حديثه عن أبرز التحديات التي تواجه صون التراث ونقله إلى الأجيال المقبلة، لفت الحسناوي إلى ما تعانيه المدينة القديمة في غات من تشققات وانهيارات طالت أجزاء منها بفعل عوامل التعرية والأمطار، في ظل ما وصفه بضعف الاهتمام بأعمال الصيانة والترميم، مقارنة بمدن تاريخية أخرى، من بينها غدامس.
وشدد على أن حماية المدن التاريخية لا ينبغي أن تقتصر على المعالجات الطارئة بعد وقوع الأضرار، بل تستدعي وضع برامج متكاملة للترميم والصيانة، تستند إلى دراسات فنية متخصصة وتحافظ على الخصائص المعمارية والتاريخية لهذه المدن.
وحذّر من أن جانبا مهما من الموروث الثقافي في غات لا يزال بحاجة إلى الجمع والتوثيق والحفظ، داعيا إلى إنشاء مؤسسة قوية تتولى هذه المهمة، وتعمل على رصد عناصر التراث المادي وغير المادي، وتسجيلها وحمايتها من الضياع والاندثار.
وأوضح أن غياب التوثيق المؤسسي يعرّض أجزاء من الذاكرة المحلية لخطر الفقدان، ولا سيما الموروث الشفهي والممارسات التقليدية والمعارف التي تناقلتها الأجيال، مؤكدا أهمية الإسراع في تسجيلها وحفظها قبل أن تتلاشى مصادرها البشرية.
نقوش أكاكوس.. متحف مفتوح يحتاج إلى الحماية
وتوقف الحسناوي عند منطقة أكاكوس، التي وصفها بأنها من أكبر المتاحف المفتوحة في العالم، لما تضمه من رسوم ونقوش صخرية تجسد جوانب من حياة الإنسان القديم وعلاقته بالبيئة الصحراوية.
وأشار إلى أن أكاكوس أُدرجت على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 1985، وهو ما يعكس قيمتها الحضارية والإنسانية، ليس بالنسبة إلى ليبيا وحدها، بل بالنسبة إلى التراث الإنساني المشترك.
غير أنه أكد أن هذا الاعتراف الدولي لم ينهِ التحديات التي تواجه الموقع، إذ تعرضت بعض الرسوم الصخرية في فترات سابقة للتخريب والتشويه، ولا تزال آثار من هذه الاعتداءات قائمة من دون معالجة كافية حتى الآن.
وأضاف أن وجود الشرطة السياحية يمثل خطوة مهمة في حماية المواقع الأثرية، لكنه يحتاج إلى دعم فعلي بالمركبات والإمكانات اللازمة، حتى تتمكن العناصر المكلفة بالحماية من أداء مهامها في مناطق واسعة تتطلب متابعة ميدانية مستمرة.
وتبرز هذه التحديات، وفق ما يطرحه الحسناوي، الحاجة إلى مقاربة متكاملة لحماية المواقع الأثرية، تجمع بين توفير الإمكانات البشرية واللوجستية، وتطوير أعمال الرصد والصيانة، وتعزيز الوعي المجتمعي بقيمة النقوش والرسوم الصخرية، باعتبارها وثائق تاريخية لا يمكن تعويضها إذا تعرضت للتلف.
من ذاكرة الصخور إلى وعي الأجيال
وعن سبل تحويل هذا الإرث إلى رافعة للثقافة والسياحة والتنمية في الجنوب الليبي، أشار الحسناوي إلى وجود مؤلفات ودراسات أنجزها رحالة أجانب وبعثات أثرية تناولت تاريخ المنطقة وآثارها، ومن بينها أعمال تناولت تدرارت وأكاكوس، لكنه رأى أن هذه الجهود لم تتحول بالقدر الكافي إلى معرفة متاحة للأجيال الليبية الجديدة.
وأوضح أن الاطلاع على تاريخ المنطقة لا يزال محدودا، في ظل غياب مسارات تعليمية وثقافية تتيح للطلاب التعرف على قيمة المواقع الأثرية والموروث الحضاري الذي تزخر به الصحراء الليبية.
وفي هذا الإطار، دعا إلى إدراج مادة تُعنى بالتراث ضمن المناهج الدراسية، بما يساعد على تعريف الأجيال بتاريخ بلادها، ويربط المعرفة النظرية بالزيارات الميدانية إلى المواقع التاريخية، ويعزز شعور الناشئة بالمسؤولية تجاه حماية الموروث الوطني.
وأكد أن التعريف بالتراث لا ينبغي أن يظل محصورا في المناسبات والمهرجانات، بل يتطلب عملا متواصلا تشترك فيه المؤسسات التعليمية والثقافية والبحثية، إلى جانب الجمعيات المحلية والجهات المعنية بالسياحة والآثار.
ومن شأن هذا التوجه أن يفتح المجال أمام تطوير برامج للبحث والتوثيق، وتشجيع الدراسات المتخصصة، وإعداد أدلة ومطبوعات تعريفية، بما يسهم في تقديم غات وأكاكوس بوصفهما فضاءين للمعرفة والاستكشاف، وليس مجرد وجهة للزيارة العابرة.
التراث.. ثروة وطنية تتجاوز حدود السياحة
إن ما تزخر به غات من مدن تاريخية ونقوش صخرية وصناعات تقليدية وذاكرة اجتماعية، وما تحتضنه ليبيا عموما من مواقع أثرية وموروثات ثقافية متنوعة، يمثل رصيدا وطنيا يمكن أن يسهم في بناء اقتصاد أكثر تنوعا، إذا ما توفرت الإرادة المؤسسية والرؤية التنموية اللازمة لاستثماره بصورة مستدامة.
ففي بلد يعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على النفط، الذي تظل موارده قابلة للنضوب مهما طال أمدها، لا ينبغي النظر إلى التراث باعتباره مجرد ماض يستحق الحفظ، بل بوصفه موردا متجددا للقيمة والمعرفة وفرص العمل، يمكن أن يدعم السياحة الثقافية، ويحفز الصناعات التقليدية، ويتيح فرصا جديدة أمام الشباب في مجالات البحث والإرشاد السياحي والخدمات الثقافية.
غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب أكثر من الترويج للمواقع الأثرية؛ فهو يحتاج إلى ترميم المدن التاريخية، وحماية المواقع والنقوش من الاعتداءات، وإنشاء المتاحف ومراكز الدراسات، وتأهيل الكوادر الوطنية، وتطوير البنية الأساسية والخدمات السياحية، إلى جانب إشراك المجتمعات المحلية في إدارة مواردها التراثية والاستفادة منها.
وفي هذا السياق، تبدو غات بما تختزنه من تاريخ وخصوصية ثقافية، مؤهلة لتكون نموذجا لمشروع وطني يربط صون الذاكرة بالتنمية المستدامة، ويحول الموروث الحضاري من رصيد مهدد بالإهمال إلى قيمة اقتصادية وثقافية متنامية.
فإذا كان النفط قد منح ليبيا ثروة ساعدتها على بناء اقتصادها الحديث، فإن تراثها الحضاري يمنحها فرصة لتأسيس مورد مختلف، لا يقوم على استخراج ثروة من باطن الأرض، بل على حماية ما تركه الإنسان فوقها من شواهد ومعارف وفنون. وهي فرصة لن تتحقق بمجرد الاعتزاز بالماضي، وإنما بتحويل هذا الاعتزاز إلى سياسات ومؤسسات وبرامج عمل تحفظ الذاكرة الوطنية وتمنحها مكانا فاعلا في مستقبل البلاد.
(وال)
متابعة وتصوير – أميرة التومي .