شوقي عبد الأمير لـ وال ;: معهد العالم العربي على استعداد لشراكات ثقافية مع المؤسسات الليبية
نشر بتاريخ:
طرابلس – 20 أكتوبر 2026 (وال) - أكد المدير العام لمعهد العالم العربي في باريس، الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير، استعداد المعهد للتعاون مع المؤسسات الثقافية الليبية في مجالات إقامة المعارض والندوات والمنتديات الثقافية، واستضافة الأدباء والمفكرين والشعراء الليبيين، والعمل على ترجمة إنتاجهم الأدبي والفكري إلى اللغات الأوروبية، بما يسهم في تعزيز حضور الثقافة الليبية لدى الجمهور الفرنسي والأوروبي.
وأوضح عبد الأمير، في مقابلة صحفية أجرتها معه وكالة الأنباء الليبية (وال) مساء أمس الإثنين في طرابلس، على هامش زيارته للمدينة تزامنا مع فعاليات معرض النيابة العامة الدولي للكتاب، أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تنسيقا مؤسسيا واضحا، ومشروعات محددة، إلى جانب توفير التمويل اللازم لإنجازها واستدامتها.
واستهل عبد الأمير حديثه بالتعبير عن تقديره لحفاوة الاستقبال، مشيدا بجهود السلطات الليبية ووزارتي الثقافة والشباب والنيابة العامة المنظمة للمعرض، كما أعرب عن شكره للسفارة الفرنسية على ما قدمته من خدمات خلال زيارته.
خطاب ثقافي يستند إلى المعرفة والحجة
وفي تقييمه لحضور الثقافة العربية في المشهد الأوروبي، رأى عبد الأمير أن تعزيز هذا الحضور يستدعي تطوير الخطاب الثقافي العربي، بحيث يراعي اختلاف الجمهور المستهدف وطبيعة السياقات الثقافية التي يتوجه إليها.
وشدد على ضرورة الانتقال من الخطاب الذي تغلب عليه العاطفة والحماسة إلى خطاب يستند إلى الحجة والمنطق والمعرفة، مؤكدا أن مخاطبة الجمهور الفرنسي والأوروبي تقتضي أدوات وأساليب تتناسب مع طبيعة هذا الجمهور، وتتيح تقديم الثقافة العربية في تنوعها وإسهاماتها الحضارية بصورة أكثر قدرة على التأثير والإقناع.
وفي هذا السياق، وصف معهد العالم العربي في باريس بأنه أحد أبرز الصروح المكرسة للتعريف بالثقافة العربية في أوروبا، معتبرا أن ما يتيحه من إمكانات يشكل فرصة مهمة لتعزيز التواصل الثقافي بين العالم العربي والمجتمعات الأوروبية.
معارض الكتاب رافعة لنشر المعرفة
وعن أهمية معرض النيابة العامة الدولي للكتاب في بناء جسور التواصل الثقافي، أكد عبد الأمير أن معارض الكتاب تمثل اليوم ركيزة أساسية لنشر المعرفة في البلدان العربية، في ظل ما تواجهه المكتبات من تراجع، وما أصاب عددا منها من اندثار.
وأشار إلى أن هذه المعارض باتت تؤدي دورا مهما في إيصال الإنتاج الثقافي إلى القراء، والتعريف بالكتاب والمؤلفين، وإيجاد فضاءات للقاء بين المثقفين والناشرين والجمهور.
وأشاد بمعرض طرابلس، واصفا إياه بالمعرض الناجح، لما لمسه فيه من حيوية ثقافية وحضور اجتماعي وبيئة ثقافية نشطة، معربا عن أمله في أن تستمر هذه المبادرة وتتطور في دوراتها المقبلة.
وأكد أن معهد العالم العربي يمكن أن يسهم في توسيع آفاق هذا الحراك من خلال التعاون مع المؤسسات الليبية، موضحا أن مجالات الشراكة المحتملة تشمل إنتاج المعارض المشتركة، وتنظيم الندوات والمنتديات، واستضافة الأدباء والمفكرين والشعراء الليبيين، إلى جانب مشروعات الترجمة والتبادل الثقافي.
ولفت إلى أن تحويل هذه الأفكار إلى برامج عملية يتطلب تنسيقا بين الجهات المعنية، وتحديد الأولويات والآليات التنفيذية، وتوفير الموارد المالية اللازمة.
ترجمة الأدب الليبي إلى القارئ الأوروبي
وفي ما يتعلق بفرص وصول الأدب الليبي إلى القارئ الفرنسي والأوروبي، أوضح عبد الأمير أن المسألة لا تتوقف عند نقل النص من العربية إلى لغة أخرى، بل تبدأ باختيار الأعمال التي يمكن أن تحظى باهتمام القارئ المستهدف، ثم تقديمها من خلال ترجمة أدبية رفيعة المستوى، مع توفير الدعم المادي الذي يضمن وصولها إلى الجمهور.
وأشار إلى أن الأعمال الأدبية والفكرية قد تنطلق من خصوصية المجتمع الليبي واهتمامات القارئ العربي، وهو ما يستدعي دراسة كيفية تقديمها لجمهور مختلف في خلفياته الثقافية وتوقعاته القرائية، من دون التفريط في قيمتها الإبداعية أو خصوصيتها المحلية.
واعتبر أن اجتماع حسن الاختيار وجودة الترجمة والتمويل يمكن أن يفتح آفاقا أوسع أمام الثقافة العربية في فرنسا وأوروبا، ومنها إلى فضاءات ثقافية أخرى.
وفي معرض حديثه عن حضور الأدب الليبي في فرنسا، أشار إلى أن أعمالا ليبية وصلت بالفعل إلى القارئ الفرنسي، مستشهدا بالروائي إبراهيم الكوني الذي تُرجمت أعماله وحظيت بالتعريف به في فرنسا، إلى جانب أعمال لروائيين وشعراء ليبيين آخرين.
لكنه رأى أن هذا الحضور لا يزال محدودا قياسا بما يزخر به المشهد الأدبي الليبي من تجارب، مؤكدا أن من أهداف زيارته العمل على تطوير هذا الحضور ودفعه إلى الأمام.
الكتاب الورقي في مواجهة التحولات الرقمية
وتناول اللقاء تأثير المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي في مستقبل القراءة والنشر، حيث حذر عبد الأمير من المخاطر التي تفرضها التحولات المتسارعة على الثقافات في مختلف أنحاء العالم، مؤكدا أن هذه التحديات لا تخص الثقافة العربية وحدها، بل تشمل الثقافات الناطقة بالإنجليزية والفرنسية والروسية وغيرها.
وفي المقابل، دعا إلى عدم التسرع في إعلان نهاية الكتاب الورقي، معتبرا أن النشر التقليدي لا يزال يحتفظ بمكانته، رغم تراجع انتشاره مقارنة بمراحل سابقة، وأن الكتب والمجلات الورقية ما زالت تجد قراءها وأسواقها.
ورأى أن التحول الرقمي لا يعني بالضرورة اختفاء الكتاب المطبوع، وأن مستقبل النشر سيظل مفتوحا أمام استمرار الوسيطين الورقي والرقمي، بما يتيح للثقافة فرصا متعددة لنقل المعرفة وتوسيع دائرة القراء.
التراث الليبي ضمن شراكات ثقافية مشتركة
وفي ما يتعلق بإمكانات التعريف بالتراث الليبي في فرنسا، أكد عبد الأمير أن التعاون مع المؤسسات الليبية يمثل محورا أساسيا في زيارته، موضحا أنه عقد لقاءات مع عدد من المسؤولين، من بينهم وزراء، كما التقى بمسؤولين في مركز الوثائق، ويسعى إلى استكمال مشاوراته بهدف الوصول إلى مشروعات مشتركة قابلة للتنفيذ.
وأعرب عن أمله في أن تفضي اللقاءات إلى تحديد مجالات تعاون واضحة، وفقا لما يتفق عليه الطرفان من أهداف وبرامج وإمكانات متاحة.
وشدد في هذا السياق على أن التمويل يمثل شرطا أساسيا لتحويل الرغبة في التعاون إلى خطوات عملية، مشيرا إلى أن المبادرات الثقافية، مهما كانت أهميتها، تحتاج إلى موارد تضمن تنفيذها واستمرارها.
الثقافة مساحة للحوار بين الشعوب
وفي رده على سؤال بشأن قدرة المؤسسات الثقافية على الحفاظ على استقلاليتها في ظل التوترات السياسية والصراعات الدولية، أقر عبد الأمير بصعوبة الفصل التام بين الثقافة والظروف السياسية المحيطة بها، لكنه أكد أن ذلك لا يجعل الأمر مستحيلا.
ودعا إلى العمل على توسيع المساحات التي تجمع الشعوب من خلال الأدب والشعر والفنون والمعارض، بعيدا عن تحويل كل نشاط ثقافي إلى امتداد للخلافات السياسية، مشددا على أهمية إبقاء الحوار الإبداعي مفتوحا بين المجتمعات، حتى عندما تتباعد مواقف الحكومات وتتعارض مصالحها.
وفي ختام اللقاء، وبشأن المبادرات التي يمكن أن تترجم الزيارة إلى نتائج ملموسة خلال العام المقبل، كشف عبد الأمير أنه طرح خلال لقائه وزير الثقافة الليبي ضرورة أن تبادر ليبيا إلى المساهمة في أنشطة معهد العالم العربي وموازنته، بما يساعد على دفع التعاون إلى الأمام.
ويفتح هذا الطرح الباب أمام بحث صيغ عملية للشراكة، تجمع بين الإمكانات التي يتيحها المعهد في باريس وما تمتلكه ليبيا من رصيد تاريخي وثقافي وإبداعي، بما يتيح الانتقال من اللقاءات والوعود العامة إلى برامج محددة الأهداف والنتائج.
وتأتي زيارة عبد الأمير في وقت تشهد فيه طرابلس حراكا ثقافيا يرتبط بفعاليات معرض النيابة العامة الدولي للكتاب، الذي يوفر مساحة للقاء الكتاب والباحثين والناشرين والجمهور، ويتيح فرصة لتجديد النقاش حول واقع القراءة والنشر، وسبل دعم الإبداع الليبي وتعزيز حضوره خارج الحدود.
وتبقى القيمة الأهم لمثل هذه الفعاليات في قدرتها على تجاوز الطابع الموسمي، وتأسيس تعاون مستدام بين المؤسسات الثقافية الليبية ونظيراتها العربية والأوروبية، بما يجعل الكتاب مدخلا لتبادل المعرفة، ويمنح المبدع الليبي فرصا أوسع للوصول إلى قراء جدد، ويُسهم في تنشيط المشهد الثقافي الليبي وربطه بفضاءات الإبداع والحوار في العالم. (وال)
حاوره - علي الدلالي .
تصوير - محمد الزرقاني ..