Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

محبوبة خليفة : غناوة العلم ; قصيدة مكثفة تختزل المعنى في كلمات قليلة.

نشر بتاريخ:

 طرابلس – 19 أكتوبر 2026 (اوال) - في بيت شعري واحد، قد تختبئ حكاية عمر، أو ينفتح جرح الفراق، أو يستيقظ الحنين إلى مكان بعيد، أو تختزل تجربة إنسانية يصعب على صفحات كاملة الإحاطة بها. تلك هي إحدى أسرار "غناوة العلم"، التي تستمد قوتها من قدرتها على قول الكثير بأقل الكلمات، محوّلةً التكثيف الشعري إلى طاقة تعبيرية تتجاوز حدود العبارة إلى ما تثيره من دلالات وإيحاءات.

 ومن هذه الزاوية، تناولت الشاعرة والقاصة الليبية، محبوبة خليفة، هذا الفن التراثي، في حديث لوكالة الأنباء الليبية اليوم الاثنين، على هامش محاضرتها في البرنامج الثقافي المصاحب لمعرض النيابة العامة الدولي للكتاب، حيث توقفت عند خصائصه الفنية وعمقه الإنساني، وعلاقته بالذاكرة والمكان والتجربة الحياتية.

 ورأت خليفة أن "غناوة العلم" تمثل لونا من الشعر شديد التكثيف والتركيز، يقوم على قدرة استثنائية على اختزال المعنى في جملة قصيرة، لا تتجاوز في بعض الأحيان خمس أو ست كلمات، من دون أن تفقد عمقها أو قدرتها على التأثير، مؤكدة أن المسألة ليست، بحسب ما توحي به قراءتها، مجرد إيجاز لغوي، وإنما مهارة إبداعية في انتقاء اللفظ وتحميله من الدلالات ما يجعل العبارة المحدودة فضاء واسعا للتأويل.

 وأوضحت أن بحثها في هذا الفن كشف لها عن وجود فروع وتقاليد قريبة منه في مصر أيضا، إلى جانب حضوره المعروف في شرق ليبيا، وهو ما يفتح المجال أمام دراسات مقارنة تستكشف امتدادات هذا اللون الشعري، وأوجه التشابه والاختلاف بين تجلياته في البيئات المختلفة.

 وأشارت خليفة إلى أن التحضير لمحاضرتها اليوم أعاد لفت انتباهها إلى قيمة هذا الموروث، وإن كانت ترى أنها لم تمنحه، في الإطلالة التي قدمتها، ما يستحقه من بحث وتفصيل، بالنظر إلى ما يختزنه من ثراء فني وإنساني.

 الذاكرة التي لا تغادر المكان

 ولم تفصل خليفة حديثها عن "غناوة العلم" عن تجربتها الشخصية وعلاقتها بالمكان، فهي المولودة في مدينة درنة، التي ظلت حاضرة في ذاكرتها وفي تكوينها الإبداعي، بما تختزنه من صور الحياة وتفاصيلها الاجتماعية والإنسانية، ومن ملامح نسائها وبناتها وتاريخها المحلي.

 وترى أن الكتابة، مهما اتسعت آفاقها وتعددت مصادرها، تظل مشدودة إلى البيئة التي تشكلت فيها الذاكرة الأولى، وإلى الصور والتجارب التي تركت أثرها العميق في وجدان الكاتب.

 وقالت إن الابتعاد عن المكان لا يمحو حضوره، بل قد يكشف عن عمق العلاقة به، ويجعل الحنين إليه أكثر وضوحا كلما امتدت المسافات".

 وأضافت أن تنقلها بين المدن والبلدان أتاح لها الاحتكاك بثقافات متعددة، وبناء علاقات إنسانية أغنت تجربتها، غير أن هذا الانفتاح لم ينتقص من خصوصيتها المحلية، بل أسهم في توسيع رؤيتها للحياة والإنسان، ومنح ذاكرتها الأولى أبعادا جديدة.

 التجربة الشخصية بوصفها مادة للإبداع

 وتوقفت خليفة عند أثر الظروف التي مرت بها أسرتها، ومن بينها مغادرة الوطن في ظروف غير طبيعية، في تشكيل شخصيتها وتجربتها الإنسانية. وأوضحت أن تلك المرحلة، على ما حملته من صعوبات، تحولت مع مرور الزمن إلى تجربة مثمرة، أسهمت في تعزيز قدرتها على التعامل مع الآخرين، وفهم الاختلاف، والتكيف مع المواقف الصعبة.

 وبهذا المعنى، تقل إن الكتابة لا تبدو لديها منفصلة عن الحياة، ولا التجربة الإبداعية معزولة عن التحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشها الإنسان أو شهد آثارها مؤكدة أن الذاكرة هنا ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما وسيلة لفهم الحاضر، وإعادة تأمل التجارب التي أسهمت في تشكيل الشخصية والنظرة إلى العالم.

 تراث يستعيد شبابه

 وفي حديثها عن استمرارية "غناوة العلم"، أعربت خليفة عن سعادتها بملاحظة حضور هذا الفن لدى الشباب، ورصد نماذج جديدة منه عبر المواقع والمنصات الإلكترونية، معتبرة أن هذا التجدد يمنحه فرصة لاستعادة شبابه، ويؤكد أن التراث الشعبي ليس مادة محفوظة في الذاكرة فحسب، بل ممارسة حية تستطيع الأجيال الجديدة إعادة اكتشافها والتعبير من خلالها عن مشاعرها وتجاربها.

 وأشارت إلى أهمية اللقاءات الثقافية في تحريك الذاكرة وتقريب الناس من موروث قد تبدو بعض جوانبه بعيدة عن اهتماماتهم اليومية، مؤكدة أن التعريف بهذه الفنون وإعادة قراءتها يسهمان في خدمة التراث وصون استمراريته.

 وتكتسب هذه الدعوة أهميتها من أن التراث لا يبقى حيا بمجرد تناقله، بل يحتاج إلى البحث والتوثيق والقراءة النقدية، وإلى فتح المجال أمام الأجيال الجديدة لاكتشاف أسراره التعبيرية، بعيدا عن التعامل معه بوصفه بقايا من الماضي.

 وأكدت إن تجربة "غناوة العلم"، تذكّر في المحصلة بأن الشعر لا يُقاس بطول القصيدة، بل بقدرتها على النفاذ إلى الوجدان وترك أثر يتجاوز كلماتها. ففي بيت واحد قد تتجاور الذاكرة والمكان والوجد والفراق، وقد تقول كلمات قليلة ما تعجز عنه صفحات طويلة.

 وخلصت في ختام حديثها إلى أن سر هذا الفن يكمن في تلك المسافة بين ما يُقال وما يُترك للمتلقي كي يستكمله، إذ لا تمنح "غناوة العلم" معناها كاملا في ألفاظها وحدها، وإنما تستدعي ذاكرة السامع وتجربته، وتدعوه إلى أن يجد في البيت القصير شيئا من حكايته الخاصة. وهنا تحديدا تتجلى بلاغة الموروث الشعبي: أن يختصر الكلام، من دون أن يختصر المعنى، وأن ينتهي البيت الشعري بينما تظل دلالاته مفتوحة في الوجدان. 

(وال) ..

متابعة وتصوير- أميرة التومي - محمد الزرقاني