Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

احاطة تيتيه أمام مجلس الأمن - (قراءة)

نشر بتاريخ:

طرابلس 15 أكتوبر 2026 (وال) – وضعت إحاطة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الدعم في ليبيا، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن، الأزمة الليبية أمام اختبار مزدوج: قدرة الأطراف السياسية على تحويل اتفاق لجنة الاجتماع المصغر "4+4" إلى مسار عملي لتجاوز الانسداد المؤسسي والتمهيد للانتخابات، وقدرة السلطات على وقف الاستنزاف المالي الناجم عن استيراد الوقود وتهريبه، في وقت يعاني فيه المواطن نقص المحروقات وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

ففي إحاطتها المقدمة أمس الأربعاء 14 أكتوبر الجاري، ربطت تيتيه بين استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي وتفاقم الاختلالات الاقتصادية، محذرة من أن موارد البلاد النفطية لا تنعكس بالقدر المطلوب على حياة المواطنين، وأن استمرار هذا الوضع يضعف قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية وتوفير الخدمات الأساسية.

- "4+4".. اختراق سياسي أم تفاهم ينتظر التنفيذ؟

وصفت تيتيه الاتفاق الذي توصلت إليه الأطراف المشاركة في لجنة الاجتماع المصغر في طرابلس يوم 30 أغسطس الماضي، بعد أربعة أشهر من المداولات، بأنه تقدم مهم في مواجهة الانسداد السياسي والمؤسسي ، مشيرة إلى أنه حظي بدعم واسع، شمل حكومة الوحدة الوطنية ومجلس النواب والقيادة العامة وموسي الكوني عن المجلس الرئاسي، فضلا عن ترحيب دولي أكدته مواقف مجلس الأمن حسب قولها ، غير أن كلمة سفيرا دولتي روسيا والصين ، وهما دولتان دائمتان العضوية في مجلس الأمن ، وتمتلكان امتياز النقد لم يعكسا ذلك .

ومع هذا فالدعم الدولي الذي ابرزته " تيتية " لم ينه الخلافات الداخلية؛ إذ طلب بعض أعضاء المجلس الأعلى للدولة وقتا إضافيا للتشاور بشأن الاتفاق. وترى تيتيه أن استمرار التردد قد يتيح للمعرقلين تعطيل العملية السياسية، مؤكدة عزم البعثة الاجتماع بأطراف اللجنة خلال أكتوبر لبحث الخطوات التالية.

وتبرز هنا أهمية المادة الخامسة من الاتفاق، التي تتيح، في حال تعذر اعتماده من مجلسي النواب والأعلى للدولة خلال المهلة المحددة، البحث عن آلية وطنية أوسع تمثيلا لاعتماده، إلى جانب المسار الدولي المتصل بمجلس الأمن.

ويفتح هذا التوجه بابا لتجاوز الجمود، لكنه لا يضمن وحده نجاح الاتفاق؛ فالتحدي الحقيقي يتمثل في تحويل التفاهم بين الأطراف المشاركة إلى توافق وطني أوسع، مع ضمان عدم إقصاء القوى المؤثرة، وعدم السماح في المقابل باستخدام التوافق ذريعة لتعطيل أي تقدم.

كما لا تحصر البعثة مساعيها في "4+4"، بل تتجه إلى معالجة ملفات أخرى مرتبطة بتوحيد المؤسسات وتهيئة الظروف للانتخابات، ومنها الانقسام القضائي. فإجراء انتخابات ذات مصداقية يحتاج إلى إطار قانوني واضح ومؤسسات قادرة على تنفيذ نتائجها، وليس إلى اتفاق سياسي منفرد.

ومن ثم، فإن نجاح هذا المسار يرتبط بإرادة الأطراف الليبية، وبوجود ضمانات دولية تدعم التنفيذ وتحد من قدرة المعرقلين على إفشال التسوية ،وقد دعت تيتيه مجلس الأمن إلى مواصلة دعم العملية السياسية ومحاسبة من يقوضونها.

- فاتورة الوقود.. أرقام تكشف عمق الاختلال

اقتصاديا، قدمت الإحاطة صورة مقلقة عن منظومة الوقود المدعوم ، فقد بلغت واردات ليبيا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 نحو 8.15 مليون طن متري، بكلفة إجمالية وصلت إلى 8.9 مليار دولار، وفق الأرقام التي أوردتها تيتيه.

وقدرت المسؤولة الأممية أن ما بين 30 و50 في المئة من هذه الواردات قد يُفقد بسبب التهريب، بما تتراوح قيمته بين 2.4 و4.4 مليار دولار. ويعني ذلك، وفق هذه التقديرات، أن الدولة تتحمل تكلفة استيراد الوقود ودعمه، بينما لا يصل جزء من الكميات إلى المستهلكين والمؤسسات المستهدفة، بل يتحول إلى مصدر أرباح غير مشروعة.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر عند وضعها في سياق تطور فاتورة استيراد المحروقات خلال السنوات الأخيرة ، فقد أشارت بيانات وتقارير اقتصادية إلى ارتفاع ملحوظ في كلفة الواردات مقارنة بالسنوات السابقة، فيما تُتداول تقديرات تقارب 4.6 مليار دولار لعام 2020 ونحو 12 مليار دولار لعام 2025.

وتوضح تقارير اقتصادية أن المؤسسة الوطنية للنفط بدأت أواخر عام 2021 تطبيق نظام مبادلة النفط الخام بالوقود المكرر، بعد أن كانت مخصصات استيراد الوقود تمر عبر المصرف المركزي. وتزامن ذلك مع زيادة ملحوظة في كميات الوقود المستوردة، الأمر الذي يجعل من الضروري التمييز بين المدفوعات الفعلية المسجلة لدى المصرف، وقيمة الواردات التي تُسوى بآليات أخرى، والتكلفة الاقتصادية الإجمالية للدعم.

وتكشف الأزمة عن مفارقة واضحة: ليبيا بلد نفطي، لكنها تنفق مبالغ كبيرة على استيراد الوقود، في حين تتكرر أزمات الإمداد، خصوصا في الجنوب، وتتواصل الشكاوى من نقص المحروقات. ومع ارتفاع الأسعار العالمية، ولا سيما الديزل، تتزايد الحوافز لتحويل الوقود المدعوم إلى أسواق خارجية، بما يضاعف العبء على المالية العامة ويضر بالمواطن.

- الانقسام السياسي يفاقم الكلفة الاقتصادية

لم تقتصر الإحاطة على ملف الوقود، بل أشارت إلى تآكل القدرة الشرائية بفعل تراجع قيمة الدينار وارتفاع التضخم إلى أكثر من 14 في المائة، فضلا عن زيادة أسعار المواد الغذائية بنسبة 3.8 في المئة خلال أغسطس.

كما تناولت إغلاق أنبوبي الحمادة – الزاوية والشرارة – الزاوية خلال سبتمبر، على خلفية خلافات بشأن تعيينات في قطاع النفط، وما نتج عنه من خسارة نحو مليون برميل من الإنتاج، بقيمة تقدر بنحو 100 مليون دولار ، وحذرت تيتيه من أن الاعتداءات على منشآت النفط والطاقة أو إضعافها قد تشكل أساسا لاتخاذ تدابير بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

وتعكس هذه الوقائع العلاقة المباشرة بين الانقسام المؤسسي والمصالح المتعارضة من جهة، واستقرار الإنتاج والإيرادات العامة من جهة أخرى ، فكل اضطراب في تدفق النفط أو توزيع الوقود ينعكس على قدرة الدولة على تمويل المرتبات والخدمات والصيانة والاستثمار.

- ما هي إمكانات الحل؟

يمكن أن نقرأ في هذه الإحاطة أن المعالجة تبدأ بإخضاع سلسلة استيراد الوقود وتوزيعه لرقابة مالية وفنية مستقلة، تشمل نشر بيانات العقود والكميات والأسعار، ومطابقة الواردات بما يصل فعليا إلى المستودعات ومحطات التوزيع ، كما تتطلب تعزيز الرقابة على المنافذ والحدود ومسارات النقل، وملاحقة شبكات التهريب ومصادر تمويلها، بعيدا عن الانتقائية أو الحماية المرتبطة بالنفوذ.

ويظل إصلاح منظومة الدعم ضرورة، شريطة أن يتم تدريجيا وبشفافية، وأن يقترن بضمانات تحمي محدودي الدخل من أي زيادة في الأسعار ، كما ينبغي تطوير قدرات التكرير المحلية حيثما كان ذلك مجديا اقتصاديا، وتحسين تقدير الطلب الفعلي، ومنع تضخيم الاحتياجات التي تُبنى عليها عقود التوريد.

أما سياسيا، فإن توحيد المؤسسات المالية والرقابية والأمنية يمثل شرطا أساسيا لاستدامة أي إصلاح ، ومن هنا تبرز أهمية تحويل إلى أي اتفاقات ، ومنها اتفاق "4+4" إلى خطوات تنفيذية واضحة، لا الاكتفاء بما حظي به من ترحيب.

في الختام، تضع إحاطة تيتيه أمام الليبيين مسارين متلازمين: تسوية سياسية تتيح توحيد المؤسسات والمضي نحو الانتخابات، وإصلاح اقتصادي يحمي الموارد العامة من الهدر والتهريب ، غير أن نجاح المسارين لن يُقاس بعدد الاتفاقات أو التحذيرات، بل بقدرة الدولة على تحويل مواردها النفطية إلى وقود متاح للمواطن، وخدمات أفضل، ومؤسسات موحدة تخضع للمساءلة. 

(وال)