Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

في اليوم العالمي للصحة النفسية.. مختصتان تؤكدان أهمية الاكتشاف المبكر وتعزيز الوعي المجتمعي

نشر بتاريخ:

بنغازي 10 أكتوبر 2026  (وال) – يُحيي العالم في العاشر من أكتوبر من كل عام اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي أطلقه الاتحاد العالمي للصحة النفسية عام 1992م؛ بهدف تعزيز الوعي بقضايا الصحة النفسية ودعم الجهود الرامية إلى تحسين خدماتها.

وتمثل هذه المناسبة فرصة لتسليط الضوء على التحديات النفسية والاجتماعية، وأهمية دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والصحية في الوقاية من المشكلات النفسية واكتشافها مبكراً.

وفي هذا السياق، أكدت أخصائية علم نفس الطفل ورئيسة العيادات النفسية والمكتب الاجتماعي بمستشفى الأطفال بنغازي، إيناس بن سليم، وأخصائية الإرشاد والعلاج النفسي، هبة الجازوي -في حديثهما لصحيفة “الأنباء الليبية”- أهمية تعزيز الوعي بالصحة النفسية، وتوفير بيئة داعمة تشجع على طلب المساعدة المتخصصة، مع التركيز على الاكتشاف المبكر للمشكلات النفسية لدى الأطفال والمراهقين والحد من الوصمة الاجتماعية المرتبطة بها.

الاكتشاف المبكر يبدأ من الأسرة والمدرسة

وأوضحت بن سليم أن الضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها الأطفال والمراهقون تجعل الاكتشاف المبكر للمشكلات النفسية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة، مشيرة إلى أن الطفل قد لا يمتلك القدرة الكافية للتعبير عما يشعر به، فتظهر معاناته في صورة تغيرات سلوكية أو انفعالية أو تراجع في التحصيل الدراسي.

وبيّنت أن من أبرز المؤشرات التي تستدعي الانتباه: الانعزال، والعدوانية، وكثرة البكاء، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، إلى جانب اضطرابات النوم والشهية، وصعوبة التركيز، والتراجع الدراسي، ورفض الذهاب إلى المدرسة، أو الانسحاب من الأصدقاء.

وشددت على أهمية توفير بيئة آمنة تتيح للطفل التعبير عن مشاعره ومخاوفه دون خوف من العقاب أو السخرية، وتعزيز التواصل بين الأسرة والمعلمين والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، بما يسهم في فهم الظروف التي يمر بها الطفل والوصول إلى التدخل المناسب.

وأضافت أن التغيرات السلوكية لا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، فقد تكون استجابة مؤقتة لضغوط أو تجارب معينة، غير أن استمرار الأعراض أو تزايد شدتها وتأثيرها في الحياة اليومية يستدعي تقييمها من المختصين.

التدخل المتخصص والوقاية من تفاقم المشكلات

وأكدت بن سليم أن دور الأخصائي النفسي يشمل إجراء المقابلات الأولية مع الطفل ووالديه، واستخدام أدوات التقييم المناسبة، وتحديد العوامل الأسرية والمدرسية والاجتماعية التي قد تسهم في ظهور المشكلة، إلى جانب تقديم الإرشاد النفسي وإعداد خطط التدخل ومتابعة تطور الحالة.

ولفتت إلى ضرورة التعامل بجدية مع حديث الطفل عن الموت أو إيذاء النفس، أو ظهور سلوكيات إيذاء الذات، أو تعرضه للعنف والإساءة؛ لما تتطلبه هذه الحالات من تقييم مهني عاجل وتوفير الحماية اللازمة عند وجود خطر مباشر.

ودعت إلى تعزيز الوقاية النفسية من خلال توفير بيئة أسرية آمنة ومستقرة، وتشجيع الحوار والتعبير عن المشاعر، والابتعاد عن العنف والإهانة والمقارنة المستمرة بين الأطفال، إلى جانب مكافحة التنمر داخل المؤسسات التعليمية وتفعيل دور مكاتب الخدمة النفسية والاجتماعية.

الوصمة الاجتماعية وتأخر طلب المساعدة

من جانبها، أكدت أخصائية الإرشاد والعلاج النفسي هبة الجازوي أن الصحة النفسية جزء أساسي من الصحة العامة، إلا أن الحديث عنها في المجتمع لا يزال يواجه تحديات، أبرزها الوصمة الاجتماعية وضعف الوعي والخلط بين المعاناة النفسية والضعف الشخصي أو قلة الإيمان أو عدم القدرة على تحمل المسؤولية.

وأشارت إلى أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وعدم الاستقرار، وتجارب الفقد والنزوح التي مر بها المجتمع، قد تزيد من الأعباء النفسية التي يواجهها الأفراد والأسر، مع اختلاف تأثيرها من شخص إلى آخر.

وبيّنت أن تأخر طلب المساعدة المتخصصة يمثل أحد التحديات المهمة، إذ قد يتردد بعض الأشخاص في اللجوء إلى المختص النفسي خوفاً من نظرة المجتمع أو انتهاك الخصوصية، بينما ينتظر آخرون إلى أن تتفاقم الأعراض وتؤثر في حياتهم اليومية وعلاقاتهم الأسرية وأدائهم الدراسي أو المهني.

وأضافت أن محدودية الوصول إلى خدمات الدعم النفسي المتخصصة في بعض المناطق، والحاجة إلى تعزيز التنسيق بين المؤسسات الصحية والتعليمية والاجتماعية، من المسائل التي تستدعي اهتماماً مستمراً.

الأسرة والمجتمع.. مسؤولية مشتركة

وشددت الجازوي على أهمية دور الأسرة باعتبارها البيئة الأولى التي توفر الدعم النفسي والأمان، مؤكدة أن الإصغاء دون إصدار الأحكام، واحترام مشاعر الأبناء، وتجنب التقليل من معاناتهم أو مقارنتهم بالآخرين، ممارسات تساعد على بناء الثقة وتشجع على التعبير عن الاحتياجات النفسية.

وأوضحت أن تعزيز الوعي بالصحة النفسية يتطلب الانتقال من التوعية الموسمية إلى جهود مستمرة تشمل مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، من خلال المدارس والجامعات وأماكن العمل والمؤسسات المجتمعية، مع الاستفادة من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لتصحيح المفاهيم الخاطئة وتقديم معلومات موثوقة.

كما أكدت أهمية تعزيز قدرة المعلمين والعاملين الاجتماعيين ومقدمي الخدمات الصحية على التعرف إلى مؤشرات الضيق النفسي، وتقديم الاستجابة الأولية الداعمة، ومعرفة متى وكيف تتم إحالة الحالات إلى المختص المناسب، موضحة أن التدخل المبكر لا يعني اعتبار كل استجابة للضغط اضطراباً نفسياً، بل فهم احتياجات الفرد وتوفير الدعم الملائم في الوقت المناسب.

خدمات أكثر إتاحة وسرية

ودعت الجازوي المؤسسات المختصة إلى تطوير خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، وتسهيل الوصول إليها، وضمان السرية واحترام كرامة المستفيدين، إلى جانب تدريب الكوادر على تقديم خدمات آمنة تراعي الاحتياجات المختلفة.

وأكدت أن التعاون بين المؤسسات الصحية والتعليمية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية يمكن أن يسهم في بناء منظومة دعم أكثر تكاملاً واستجابة لاحتياجات المجتمع.

واختتمت بالتأكيد على أن الحد من الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية يبدأ بتغيير النظرة إلى المعاناة النفسية، والتعامل معها باعتبارها تجربة إنسانية تستحق الاهتمام والدعم، مشيرة إلى أن تعزيز الوعي وتيسير الوصول إلى الخدمات وضمان السرية، من شأنه أن يشجع الأفراد على طلب المساعدة ويعزز فرص التدخل المبكر.

وتبرز هذه المناسبة أهمية تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمؤسسات المختصة في توفير بيئة آمنة وداعمة، تتيح للأطفال والمراهقين والأفراد عموماً التعبير عن معاناتهم وطلب المساعدة دون خوف من الوصم أو التقليل من شأن مشكلاتهم النفسية.

(وال – بنغازي)