«أنقذوا المباني المتهالكة».. هاشتاق مستمر منذ ديسمبر 2025، فماذا تغيّر؟ ( تحقيق) .
نشر بتاريخ:
طرابلس 8 أكتوبر 2026 (وال) - «أنقذوا المباني المتهالكة».. هاشتاق أطلقته بلدية طرابلس المركز في 28 ديسمبر 2025، ولا يزال حاضرا في منشوراتها حتى اليوم، في وقت ما تزال فيه مبانٍ قديمة ومتهالكة تنتشر في عدد من أحياء العاصمة، بعضها يعود إلى العهدين العثماني والإيطالي، وبعضها بات يشكل خطرا على سكانه والمارة.
وبعد أكثر من تسعة أشهر على إطلاق الهاشتاق، يعود السؤال إلى الواجهة: ماذا حدث منذ ذلك التاريخ؟ كم مبنى جرى حصره؟ كم مبنى جرى تدعيمه أو ترميمه؟ وكم مبنى أزيل؟ وهل انتقل الملف من مرحلة الحصر والدراسات والتحذيرات إلى معالجة فعلية للمشكلة التي ظلت قائمة منذ سنوات؟
عضو المجلس البلدي ببلدية طرابلس المركز والمسؤول عن ملف البنية التحتية، سامي سالم حمادى، يرى أن القضية ليست جديدة، وأن مشكلة المباني المتهالكة في نطاق البلدية تعود إلى نحو 30 عاما.
ويقول في مقابلة أجرتها معه وكالة الأنباء الليبية (وال) إن بلدية طرابلس المركز، التي تمتد على مساحة تقدر بنحو 18 كيلومترا مربعا، تضم مباني شُيدت في العهدين العثماني والإيطالي، وظلت لفترات طويلة من دون صيانة أو ترميم، سواء من جانب السكان أو الجهات المختصة بالدولة.
ويشير إلى أن صيانة المباني من الداخل تقع، من حيث الأصل، على عاتق المواطنين، استنادا إلى قانون الملكية المشتركة رقم (19) لسنة 1985، الذي يلزم المالك بالصيانة ويضع عقوبات عند عدم القيام بها، إلا أن القانون، بحسب قوله، «موجود ولكنه غير مفعل».
من 300 عقار إلى آلاف المباني
ويقول حمادى إن متابعته الشخصية للملف بدأت عام 2010، إثر انهيار أحد المباني في شارع الاستقلال، حيث قامت "اللجنة الشعبية العامة للإسكان والمرافق" (في ذلك الوقت)، بحصر المباني الآيلة للسقوط، وبلغ عدد العقارات التي جرى حصرها نحو 300 عقار.
وبعد ثلاث سنوات، عاد الملف إلى الواجهة بصورة أوسع، عندما خصصت الحكومة في عهد رئيس الوزراء علي زيدان بدل إيجار للأسر المقيمة في المباني المتهالكة، بعد حصر أجراه جهاز الإسكان والمرافق، بلغ ــ وفق إفادته ــ نحو 3000 عقار.
ويوضح أن بدل الإيجار حُدد آنذاك بـ 700 دينار للعائلة الصغيرة و1000 دينار للعائلة الكبيرة، لمدة عامين، بمخصصات بلغت نحو 60 مليون دينار، قبل أن يتوقف البرنامج بعد نفاد المبلغ. وبذلك، كما يقول، "بقي الموضوع كما هو عليه".
وفي عامي 2017 و2018، أعاد انهيار مبنى في شارع بالخير المشكلة إلى الواجهة، حيث شكلت البلدية لجنة خاصة قامت بحصر شامل للمباني في منطقة بالخير، وبلغ عددها نحو 500 مبنى.
120 إلى 130 مبنى و32 مبنى خطرا
ويقول المسؤول البلدي إن البلدية تمتلك حاليا قاعدة بيانات للمباني المتهالكة، تشمل مواقعها على الخرائط وتحدد درجة خطورتها، وإن المباني تنتشر في نحو 14 محلة داخل نطاق البلدية، من بينها المدينة القديمة وبالخير وميدان الشهداء والظهرة وعمر المختار، فيما تتركز النسبة الأكبر منها في منطقة بالخير.
ويشير إلى أن الحصر أظهر وجود نحو 120 إلى 130 مبنى متهالكا، يقطنها ما بين 800 و900 شخص.
لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق، بحسب قوله، يتعلق بالمباني التي خضعت لتقارير الخبرة القضائية، إذ تبين أن نحو 32 مبنى غير صالح للسكن وتشكل خطرا على حياة السكان.
ويؤكد أن سكان هذه المباني جرى إخطارهم أكثر من مرة بخطورة البقاء فيها.
غير أن إخطار المواطن بإخلاء مسكنه يفتح مشكلة أخرى، بحسب حمادى، وهي: أين يذهب؟
ويقول إن الدولة لم توفر حتى الآن أماكن بديلة لسكان المباني الآيلة للسقوط، كما لم تحصل البلدية على مخصصات لبدل الإيجار، رغم مطالباتها المتكررة بتوفير الأموال تحسبا لأي طارئ.
ويرى أن المواطن الذي يُطلب منه إخلاء مسكنه بسبب خطورته يجب أن يجد بديلا، مشيرا إلى أن أزمة السكن في ليبيا تمثل أحد العوامل التي تزيد صعوبة معالجة ملف المباني المتهالكة.
الترميم قبل الإزالة
ولا يتفق المجلس البلدي، وفق حمادى، مع التوجه إلى إزالة المباني القديمة بصورة عامة، بل يرى أن الأولوية ينبغي أن تكون لصيانة وتدعيم المباني التي يمكن إنقاذها، باستثناء الحالات التي تثبت الخبرة الفنية أن أساساتها غير صالحة.
ويوضح أن معظم المشكلات التي تعاني منها هذه المباني ترتبط بالأسقف وتسرب المياه ومشكلات دورات المياه وخطوط الصرف الصحي، حيث يؤدي تسرب المياه إلى الأسقف إلى التأثير في حديد التسليح، وانتفاخه، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى انهيار أجزاء من المبنى.
أما الحوائط، كما يقول، فإن معظمها لا تعاني من مشكلات تستدعي الهدم، فيما تظل حالات وجود خلل في الأساسات محدودة.
ولهذا، يرى أن عددا كبيرا من المباني يمكن أن يعود صالحا وآمنا بعد إجراء أعمال الترميم والصيانة والتدعيم الإنشائي، وإن كانت تكلفة هذه الأعمال مرتفعة.
يذكر أن البلدية سبق أن أجرت دراسة قدرت فيها تكلفة معالجة المباني بين الإزالة وبدل الإيجار وأعمال التدعيم والصيانة بنحو 46 مليون دينار، فيما كانت المرحلة الأولى تستهدف تدعيم وصيانة نحو 2000 مبنى بتكلفة قدرت بنحو 4 ملايين دينار في ذلك الوقت.
غير أن التمويل لم يتوفر، رغم تكليف جهة أخرى بالمساهمة في تمويل المشروع.
الملف ينتقل من لجنة إلى جهاز
وفي عام 2023، يقول حمادى، شكلت "حكومة الوحدة الوطنية" لجنة لتطوير المباني المتهالكة والآيلة للسقوط، تقوم فكرتها على إزالة المباني القديمة وإعادة بنائها.
وضمت اللجنة جهات عدة، من بينها شركة الخدمات العامة وجهاز الإسكان والمرافق والتخطيط العمراني والتسجيل العقاري ومصلحة الأملاك العامة، فيما اقتصر دور البلدية على الحصر المبدئي للمباني وإحالتها إلى اللجنة.
وكانت لجان الحصر تقوم بمعاينة المباني وإحالتها إلى اللجنة، ومنها إلى الخبرة القضائية التي تحدد الحالة النهائية للمبنى وما إذا كان يحتاج إلى إزالة أو ترميم وصيانة.
ويضيف حمادى أن إجراءات الحصر استمرت من 2023 إلى الفترة الحالية، قبل أن تتغير الجهة المسؤولة عن الملف، لينتقل الاختصاص إلى جهاز تطوير مدينة طرابلس، الذي أصبح الجهة المعنية بالمباني المتهالكة والآيلة للسقوط.
وبحسب المسؤول البلدي، فإن البلدية تتلقى بلاغ المواطن، وتقوم الجهة الفنية التابعة لها بإعداد تقرير مبدئي، ثم يحال الملف إلى جهاز تطوير مدينة طرابلس، الذي يحيله بدوره إلى الخبرة القضائية لإعداد التقرير النهائي.
أما قرار الإخلاء فيصدر عن جهاز تطوير مدينة طرابلس، بينما يتولى الحرس البلدي تنفيذ الإخلاء عند الحاجة.
ماذا تحقق على الأرض؟
وعلى مستوى التنفيذ، يقول حمادى إن جهاز تطوير مدينة طرابلس قام بصيانة مبنيين في منطقة بالخير، بتكلفة تقارب 150 ألف دينار للمبنى الواحد، وشملت الأعمال تدعيم الأسقف وصيانة دورات المياه وخطوط الصرف الصحي. كما أزيل مبنى واحد في الفترة السابقة بواسطة شركة الخدمات العامة.
ويشير إلى مبنى آخر في منطقة بالخير انهار عام 2018، ولم تسجل فيه وفيات، بعد إخلاء السكان وتشخيص حالته، حيث توقف صرف بدل الإيجار للسكان بعد فترة، قبل أن يتعاقد جهاز تطوير مدينة طرابلس في عام 2025 مع مستثمر عقاري لإعادة بناء العمارة.
والمشروع، بحسب إفادته، ما يزال قيد التنفيذ، على أن يعود السكان إلى وحداتهم، مقابل تخصيص الجزء المضاف من المبنى للمستثمر العقاري.
أما بخصوص وجود مخصصات مالية حكومية لترميم المباني المتهالكة، فيؤكد حمادى أنه "لم تخصص إلى الآن" مبالغ لهذا الغرض، وأن إجراءات التطوير أو الإزالة لا تزال موضع بحث وتطوير.
الملكية.. عقبة أخرى
ولا تتوقف المشكلة عند التمويل أو الجانب الهندسي، فهناك، بحسب حمادى، تعقيدات تتعلق بملكية المباني نفسها، إذ تتداخل فيها حقوق الساكن والمالك والمستثمر والدولة، وكل طرف يريد ضمان حقوقه.
ويشير إلى الحاجة في بعض الحالات إلى إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة، وإعادة تصميم المباني التي تقرر إعادة بنائها، وإصدار شهادات عقارية جديدة للمالك أو المستثمر الجديد.
كما يتحدث عن وجود نزاعات وإشكالات مرتبطة بالقانون المعروف برقم (4)، يرى أنها من الإجراءات التي تعرقل عمليات إزالة بعض المباني الآيلة للسقوط.
وفي المقابل، فإن المباني الخاصة التي يملك أصحابها القدرة على صيانتها تبقى مسؤولية صيانتها عليهم، لكن حمادى يرى أن الدولة مطالبة بمساعدة غير القادرين، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمبانٍ تاريخية تحتاج إلى مواد وأساليب صيانة خاصة، ويمكن أن تكون القروض أو المساعدات أحد الحلول.
بين الإنقاذ والهدم
ويؤكد المسؤول البلدي أن موقف بلدية طرابلس المركز يميل إلى المحافظة على المباني القديمة وصيانتها وعدم إزالتها إلا إذا ثبت فنيا أن أساساتها لا تسمح بإنقاذها، مقترحا في هذا الخصوص أن تقوم الدولة ببناء مشروع إسكاني متكامل لأصحاب هذه البيوت قبل استعادة ملكية الدولة لها وترميمها واستخدامها كمعالم ثقافية مثل معارض للمقتنيات الشعبية وبيوت للصناعات التقليدية وغيرها، بدل دفع مبالغ نقدا لشراء منازل بديلة وبالتالي لتجنب المزيد من العشوائيات في ضواحي العاصمة.
ويرى أن الحفاظ على هذه المباني ليس مجرد مسألة تتعلق بالسكن والسلامة العامة، وإنما يرتبط بصورة المدينة وهويتها، خصوصا أن جزءا مهما منها يعود إلى فترات تاريخية مختلفة.
كما يشير إلى أن صيانة المباني التاريخية تخضع لاختصاص جهاز حماية المدن والمباني التاريخية، مشددا على ضرورة الاستعانة بخبرات الدول الأخرى في عمليات الصيانة وتدريب عناصر ليبية على التعامل على هذا النوع من المباني التاريخية وتوفير المواد الخاصة بترميمها منها مادة الجبس.
ويبقى السؤال الذي حمله هاشتاق البلدية منذ 28 ديسمبر 2025 قائما: «أنقذوا المباني المتهالكة».. ماذا أنقذنا منها حتى الآن؟
فالمبنى القديم ليس حجرا فقط، ولا يمكن اختزال قيمته في كونه عقارا يحتاج إلى صيانة أو إزالة. ففي أحياء طرابلس القديمة تختزن الواجهات والأبواب والأسقف والأزقة جزءا من ذاكرة المدينة، وتحمل آثار مراحل متعاقبة من تاريخها.
ومن هنا، فإن إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه المباني لا يعني حماية مساكن من الانهيار فحسب، بل حماية جزء من هوية طرابلس وموروثها الحضاري والمعماري. أما ما يثبت فنيا أنه غير قابل للإنقاذ، فإن إزالته ينبغي أن تكون آخر الحلول، وأن تتم في إطار يحمي السكان ويحافظ، قدر الإمكان، على شخصية المدينة وملامحها التاريخية من أن تختفي مبنى بعد آخر.
(وال).
متابعة أميرة التومي – محمد الزرقاني
تصوير – إسماعيل الكوربو .