في الذكرى الثالثة لكارثة درنة .. أسر المفقودين ومؤسسات ليبية تدعو لاعتماد قانون للمفقودين والانضمام لاتفاقية الاختفاء القسري
نشر بتاريخ:
طرابلس 22 سبتمبر 2026 ( وال ) – دعا عدد من المؤسسات الليبية وأسر المفقودين ومنظمات المجتمع المدني إلى اعتماد مشروع قانون بشأن المفقودين والاختفاء القسري، ووضع خارطة طريق لانضمام ليبيا إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، إلى جانب تعزيز قدرات الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين وتسريع عمليات البحث والتعرف على الضحايا.
جاء ذلك خلال اجتماع عقد في طرابلس في 10 سبتمبر، بمشاركة نحو 30 شخصاً، ويسّرته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بمشاركة روابط أسر الضحايا ومنظمات المجتمع المدني من ترهونة وتاورغاء ومرزق ودرنة، وممثلين عن المجلس الرئاسي ومجلس النواب والهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين والمجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان، إلى جانب سفير هولندا وممثلين عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وأكد المشاركون أن مشروع القانون بشأن المفقودين وضحايا الاختفاء القسري، المحال إلى مجلس النواب في مايو الماضي، يمثل خطوة مهمة نحو مواءمة التشريعات الليبية مع معايير الاتفاقية الدولية، مشددين على ضرورة أن يشمل القانون حقوق الأسر القانونية والاجتماعية والاقتصادية والإرثية والمالية، فضلاً عن حماية بياناتها الشخصية والجينية.
وأشارت البعثة إلى أن ليبيا ليست طرفاً في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، لكنها وافقت خلال الاستعراض الأممي لسجلها في مجال حقوق الإنسان في نوفمبر 2025 على توصيات تتعلق بتجريم الاختفاء القسري، والكشف عن مصير المفقودين والمختفين، وتعزيز حماية الأسر المتضررة وسبل وصولها إلى العدالة، وإجراء إصلاحات مؤسسية والتعاون في التحقيقات المتعلقة بحالات الاختفاء والمقابر الجماعية.
واتفق المشاركون على أن الانضمام إلى الاتفاقية سيسهم في البناء على الالتزامات التي سبق أن تعهدت بها ليبيا، كما اتفقوا على إعداد خارطة طريق للانضمام والتواصل مع مجلس النواب بشأنها.
وأوضح أعضاء في مجلس النواب أن طلب الانضمام الرسمي يجب أن يصدر عن إدارة المعاهدات والقانون الدولي بوزارة الخارجية، قبل إحالته إلى مجلس النواب للموافقة عليه أو رفضه وفق الإجراءات الوطنية النافذة.
وقال رئيس المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان، عبد المولى انتيشة، إن الخطوة الأولى تتمثل في مواءمة التشريعات الليبية مع معايير الاتفاقية، فيما أعلن المجلس عزمه نشر تقرير مواضيعي مستقل عن المفقودين في ليبيا قبل نهاية العام.
وعرض البرلمانيون خلال الاجتماع أبرز أحكام مشروع قانون المفقودين وضحايا الاختفاء القسري ، الذي أُعد بدعم فني من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
وشدد المشاركون على أن التشريع المرتقب ينبغي ألا يقتصر على أعمال البحث والتعرف، بل أن يكفل أيضاً الحقوق القانونية والاجتماعية والاقتصادية والإرثية والمالية للأسر، إلى جانب حماية البيانات الشخصية والجينية، مع التأكيد على ضرورة اتساق القانون مع التزامات ليبيا الدولية.
وقال عضو مجلس النواب عبد السلام نصية إن القانون يمثل، بحسب تعبيره، «قانوناً للسلم الأهلي، وقانوناً للعدالة الانتقالية، وقانوناً يحقق البناء السليم للدولة».
وتزامن الاجتماع مع الذكرى الثالثة لكارثة درنة التي وقعت عام 2023، إثر انهيار السدود جراء الفيضانات، ما أدى إلى اجتياح المياه لأحياء واسعة من المدينة وسقوط آلاف الضحايا، فيما لا يزال آلاف الأشخاص في عداد المفقودين.
واستعرضت أسر من درنة الآثار الإنسانية والاجتماعية المستمرة للكارثة، بما في ذلك فقدان أفراد من عائلاتها وضياع الوثائق المدنية والمساكن، فضلاً عن الصعوبات المتعلقة بالتعرف على الضحايا وشح الدعم النفسي والاجتماعي.
وأوضحت الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين أنها جمعت عينات بيولوجية من الأسر، غير أن عمليات مطابقة الحمض النووي تستغرق وقتاً بسبب الموارد المتاحة وتأثر عدد كبير من الجثامين بمياه البحر المالحة، التي تؤثر في المادة الوراثية، إلى جانب الصعوبات الناجمة عن أزمة الكهرباء التي تعيق صيانة المعدات وظروف حفظ الرفات المنتشلة.
وطالب المشاركون بتعزيز القدرات الفنية والبشرية والمالية للهيئة، وتمكينها من العودة إلى درنة وإعادة فتح مكاتب تشغيلية في درنة وبنغازي، بما يضمن التواصل المباشر مع الأسر وإطلاعها على مستجدات عمليات التعرف وتسليم الرفات التي جرى التعرف عليها لدفنها بكرامة.
وقال ممثل نازحي درنة وأسر المفقودين، نبيل عزوز، إن الاجتماع أفضى إلى التزام بالتحرك سريعاً لإبلاغ الأسر في الحالات التي جُمعت فيها العينات، بما يمكّنها من دفن ذويها، مشيراً إلى أن مئات الضحايا لا يزالون مجهولي الهوية بعد مرور ثلاث سنوات على الكارثة.
وناقش الاجتماع أوضاع المفقودين في ترهونة وتاورغاء ومرزق، حيث طالبت أسر ترهونة باستئناف أعمال الحفر في الموقع المعروف بـ«مثلث الموت»، الذي يُعتقد أن ما لا يقل عن 66 مفقوداً مدفونون فيه.
وأشارت الأسر إلى أن نقص المعدات، ومنها الجرافات اللازمة لإزالة الركام، يحول دون استئناف أعمال الحفر، فيما دعا المشاركون السلطات المعنية والشركاء إلى معالجة المشكلة وتحديد الجهة المسؤولة عن التأخير.
كما جددت أسر ترهونة مطالبتها بالاعتراف الرسمي بالضحايا والأسر المتضررة وإدراجهم ضمن قائمة الشهداء الرسمية، وما يترتب على ذلك من استحقاقات وجبر للضرر، بما يشمل ضحايا الانتهاكات المرتكبة قبل عام 2019، فيما تعهد ممثل المجلس الرئاسي بمتابعة الملف.
وفي تاورغاء، دعا المشاركون إلى استئناف أعمال البحث والحفر في محيط المدينة، حيث تعتقد الأسر أن أعداداً كبيرة من المفقودين لا تزال مدفونة منذ عام 2011.
وأبدى رئيس الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين استعداده لمعاينة الموقع، موضحاً أن ذلك يتطلب تكليفاً من النائب العام، فيما طالب المشاركون بتبسيط الإجراءات الإدارية لتمكين الأسر من الحصول على شهادات الوفاة وممارسة حقوقها القانونية والاجتماعية والمالية.
وشدد المشاركون على ضرورة تمكين الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين من إقامة وجود دائم في شرق البلاد وجنوبها وتوفير الموارد اللازمة لذلك، إلى جانب حث مكتب النائب العام على متابعة قضايا الاختفاء القسري.
وأكدت الهيئة استعدادها للعمل في المنطقتين الشرقية والجنوبية، لكنها أشارت إلى حاجتها إلى دعم المؤسسات الأمنية والنائب العام، نظراً لما تتطلبه التحقيقات من موارد كبيرة.
كما أكد ممثلو الهيئة أن معالجة قضايا المفقودين يجب أن تتم بصورة مستقلة عن التاريخ السياسي والاستقطاب، استناداً إلى حق الأسر في معرفة مصير ذويها، ودعا المشاركون إلى تمثيل مختلف المجتمعات المتضررة في الجهات المعنية بهذا الملف.
واستعرضت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي جهودهما في مجالات الرصد والإبلاغ والبرامج، بما في ذلك تقرير مرتقب بشأن مرزق، والمساعدة القانونية والدعم النفسي والاجتماعي المقدمين للأسر في ترهونة وتاورغاء ودرنة.
وجدد الجانبان استعدادهما لتقديم المساعدة الفنية لدعم مسار انضمام ليبيا إلى الاتفاقية الدولية ومواءمة الإطار القانوني الوطني مع معاييرها.
واتفق المشاركون على إجراء مسح قانوني للتشريعات الليبية في ضوء أحكام الاتفاقية، والدفع نحو توفير وجود تشغيلي للهيئة في شرق البلاد وجنوبها، والعمل على معالجة نقص المعدات الذي يعطل أعمال الحفر في ترهونة، إلى جانب الجمع بين رابطة أسر ترهونة والمجلس الرئاسي بشأن قائمة الشهداء.
وأكد نبيل عزوز، في ختام الاجتماع، تمسك أسر المفقودين بمواصلة جهودها للوصول إلى مصير ذويها، قائلاً: «إن شاء الله سنعود بسلام ونجمع ليبيا كلها من جديد».
...( وال ) ...