Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

ابوقرين : الوطن بعافية يا سيدي عمر

نشر بتاريخ:

 

طرابلس 16 سبتمبر 2026 م (وال) – تحت عنوان ( الوطن بعافية يا سيدي عمر ) كتب الاستشاري الدكتور (علي المبروك أبوقرين " مقالا بمناسبة يوم الشهيد استهله بالقول ( عمر المختار لم يكن عظيما لأنه امتلك القوة ، بل لأنه امتلك ما هو أبقى من القوة ، امتلك اليقين والانتماء والعزيمة والكرامة والإيمان بأن الوطن ليس أرضا نسكنها ثم نغادرها، وإنما الوطن يسكن فينا ونظل أوفياء له حتى آخر نبضة. 

وقال " أبوقرين " في المقال الذي تلقت ( وال ) نسخة منه أن شيخ الشهداء كان كبيرا في السن فقيرا في الإمكانيات محاصرا بواقع لا يملك فيه من أدوات الحرب شيئا يقارب ما كان يملكه المحتل الفاشستي من طائرات ومدافع ودبابات ومجنزرات وبوارج وجيوش مدججة بالسلاح، وكان الليبيون يومها في حال من الفقر والعوز لا يملكون كثيرا من متاع الدنيا، لكن شيخ المجاهدين كان يحمل في داخله ما جعل ميزان القوة مختلا فقد كان يملك إرادة لا تستسلم وإيمانا لا ينكسر ووطنية لا تساوم وانتماء لا يخضع وكرامة لا تقبل أن تتحول إلى ثمن للنجاة. قاتل عمر المختار عدوا يملك السلاح فهزمه في ساحات الوغى ووقع أسيرا فحاولوا أن يهزموه بالأغلال والسلاسل فلم يستطيعوا. وحين اقتيد إلى المشنقة لم يكن سقوط الجسد سقوطا للرجل فقد بقي واقفا، وظل قائدا حتى اللحظة الأخيرة وأصبح موته حياة في ذاكرة وطنه .

وأوضح أن اسم " عمر المختار " تحول بعد استشهاده لرمزا للنضال والكفاح ضد الاستعمار والاحتلال ، متى وجد ، واينما كان ، واليوم ونحن نستعيد ذكرى شيخ الشهداء علينا أن نسأل أنفسنا ماذا بقي من عمر المختار فينا نحن؟ لقد تغير العدو وتغيرت أدوات الصراع ولم تعد كل المعارك تجري في ساحات القتال ، فهناك معارك أخرى أكثر خفاء وأشد خطرا معركة العقل ضد الجهل ومعركة العلم ضد التخلف ومعركة الصحة ضد المرض ومعركة الإنسان ضد الفقر والإهمال ومعركة الكرامة ضد المتاجرة بحاجات الناس، ومعركة الانتماء ضد التفكك، ومعركة الوطن ضد الذين يجعلون كل شيء سلعة حتى يصبح الإنسان نفسه مجرد قدرة على الدفع. 

ولفت " الدكتور " ابوقرين " إلى أن أخطر ما يمكن أن يصيب الوطن ليس مرضا واحدا وإنما حالة مرضية ممتدة تتسلل إلى مؤسساته وقيمه وتعليمه وصحته وبيئته واقتصاده وعلاقاته الاجتماعية، حتى يصبح الخلل جزءا من الحياة اليومية، ويعتاد الناس الألم كما يعتاد المريض أعراض مرضه المزمن ، وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة لا يعود العلاج مجرد دواء ولا تكفي مسكنات مؤقتة وإنما نحتاج إلى تشخيص عميق للمرض وأسبابه وجذوره ثم إلى علاج يعيد للجسد قدرته على التعافي. 

وقال من موقع الطبيب الذي يرى المرض كل يوم أرى أن الوطن يشبه الجسد الحي إذا مرض عضو منه تأثر الجسد كله، وإذا ترك المرض دون تشخيص وعلاج امتد إلى أعضاء أخرى حتى تصبح العافية نفسها مهددة ، ولا يمكن أن نعالج جسد الوطن إذا اكتفينا بعلاج الأعراض وتركنا أسباب المرض ، ولا يمكن أن نتحدث عن صحة الإنسان بينما التعليم يتراجع ولا عن تعليم جيد بينما البيئة ملوثة، ولا عن مجتمع سليم بينما الفقر والإقصاء يحرمان الإنسان من أبسط حقوقه، ولا عن كرامة المواطن إذا أصبح العلاج والدواء مرتبطين بالقدرة المالية والنفوذ والعلاقات، فأصبح المريض الذي لا يملك المال أكثر عرضة للألم، وكأن المرض قد أصبح جريمة يعاقب عليها الفقير. 

وهنا تظهر قيمة عمر المختار بصورة أخرى. لقد كان يستطيع أن يعلمنا أن الانتماء ليس كلمة تقال في المناسبات والوطنية ليست راية ترفع، والكرامة ليست شعارا وأن الوطن لا يحيا بكثرة ما نملك من الأشياء وإنما بقدر ما نملك من القيم التي تمنعنا من بيع الإنسان والوطن والمعرفة والصحة والضمير. 

لقد واجه شيخ المجاهدين قوة عسكرية هائلة ونحن نواجه اليوم قوة أخرى أكثر تعقيدا وهي الاستسلام الداخلي ، فالعدو الذي يأتي من الخارج تستطيع أن تراه وتعرف اتجاهه، أما حين يتحول الخلل إلى سلوك والأنانية إلى ثقافة واللامبالاة إلى عادة والمتاجرة بألم الناس إلى نشاط مشروع في نظر البعض، فإن المعركة تصبح أصعب لأن جزءا من الخطر يصبح فينا ومن حولنا، وقد نشارك فيه من حيث لا نشعر. 

وأكد أن استحضار شيخ الشهداء عمر المختار اليوم ينبغي أن يكون عودة إلى البوصلة والاتجاه الصحيح ، وأن نسأل أنفسنا هل نستطيع أن نحمل شيئا من عزيمته في العلم والعمل والإدارة والإصلاح؟ وهل نستطيع أن ندافع عن صحة المواطن كما دافع هو عن أرض الوطن؟ وهل نستطيع أن نعتبر الطبيب والممرض والمعلم والباحث والمهندس والعامل الشريف مجاهدا في معركة بناء لا تقل أهمية عن معركة التحرير؟ وهل نستطيع أن نرفض أن يتحول المرض إلى سوق والجهل إلى تجارة وحاجة الإنسان إلى فرصة للثراء؟ .

وأوضح أن الوطن الذي نحبه لا يحتاج منا أن نموت جميعا من أجله، وإنما يحتاج أن نعيش من أجله حياة تليق بتضحيات الذين ماتوا كي يبقى حرا ، ويحتاج منا أن نحفظ الإنسان ونصون كرامته، ونبني مدرسة وجامعة ومستشفى وبيئة ومؤسسة عادلة، وأن نجعل العلم قيمة وطنية والصحة حقا والعمل شرفا والمال العام أمانة والاختلاف رحمة وليس سببا للعداء، وأن نعيد بناء الثقة التي تصنع المجتمعات القادرة على النهوض. 

وأختتم الدكتور " ابوقرين " مقاله بالقول إن عمر المختار لم يترك لنا ثروة من الذهب وإنما ترك نموذجا للإنسان الذي لا يستطيع العدو أن يمتلك إرادته ، وهذه ربما تكون أعظم موعظة يمكن أن نفهمها اليوم فالأوطان لا تسقط فقط حين يهزمها عدو خارجي وإنما تسقط حين تفقد قدرتها على حماية إنسانها، وحين يصبح أبناؤها غرباء عن بعضهم وحين تتحول مؤسساتها إلى أجساد بلا روح، وحين يصبح الوطن مكانا نعيش فيه دون أن يعيش فينا ، ولذلك فإن أعظم وفاء لشيخ الشهداء عمر المختار هو أن نستعيد صفاته في حياتنا ، وأن تكون لنا الشجاعة الحقيقة ونزاهة العمل وصلابة المبدأ ورحمة الطبيب وضمير المعلم وأمانة المسؤول وعقل الباحث ويد العامل وإخلاص المواطن ، فكما كان شيخ الشهداء يقف أمام قوة الاحتلال وهو يعلم أن ميزان السلاح ليس في صالحه، علينا اليوم أن نقف أمام هذا المرض الوطني الكبير ونحن نؤمن أن العلاج ممكن ، فالوطن الذي قدم عمر المختار حياته من أجله لا يحتاج منا أن نبحث عن عمر مختار جديد وإنما يحتاج أن نستعيد عمر المختار الذي فينا. ذلك الجزء الذي لا يساوم على الكرامة ولا يبيع الانتماء ولا يستسلم للعجز ولا يقبل أن يتحول الإنسان إلى رقم في سوق المرض أو التعليم أو الحاجة ، فإذا كان عمر المختار قد دافع عن وطنه حتى آخر عمره، فإن أقل ما نستطيع أن نفعله نحن أن ندافع عن حياة الوطن حتى آخر ما نستطيع من علم وعمل وضمير ، وذلك هو المعنى الحقيقي لذكرى شيخ الشهداء أن يتحول الرمز من صورة في الذاكرة إلى قوة في السلوك، ومن تاريخ نرويه إلى مستقبل نصنعه ومن بطولة نحتفل بها إلى مسؤولية نحملها. فالوطن الذي يسري دمه في عروقنا ويعيش فينا أكثر مما نعيش فيه لا يحتاج إلى كلمات أكثر وإنما يحتاج إلى أن نعيد إليه عافيته.

  

(وال)