مركز ابحاث تغيير المناخ: امطار شرق ليبيا تتطلب جاهزيه أكبر .
نشر بتاريخ:
بنغازي 16 سبتمبر 2026 (الأنباء الليبية) - تشهد بنغازي وعدد من مناطق الجبل الأخضر اليوم الأربعاء تغيرات جوية ملحوظة، مع تكاثر السحب واحتمال هطول زخات رعدية متفاوتة الشدة، وسط توقعات بأن تكون الأمطار جيدة في بعض المناطق، مع إمكانية تشكل سيول محلية وتجمع المياه في المناطق المنخفضة والطرق التي تتأثر بتصريف مياه الأمطار، في وقت بدأت فيه الأجواء تميل تدريجيًا من خصائص الصيف إلى أجواء أقرب إلى الخريف.
وتأتي هذه التقلبات بعد أجواء دافئة شهدتها المنطقة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع بدء تكاثر السحب الممطرة على أجزاء من شمال شرق ليبيا، ولا سيما المناطق الممتدة من بنغازي باتجاه الجبل الأخضر، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة أهمية جاهزية المدن والمناطق الجبلية للتعامل مع الأمطار المركزة، خاصة في المناطق المنخفضة والطرق القريبة من مجاري الأودية ومسارات المياه الطبيعية.
وفي هذا السياق، قالت مديرة المركز الليبي لأبحاث تغير المناخ – بنغازي، الدكتورة وضحة حمزة فوناس، في تصريح لوكالة الأنباء الليبية، إن الحالة الجوية الحالية تستوجب المتابعة والرصد، خصوصًا مع احتمالات هطول أمطار رعدية متفاوتة الشدة على بنغازي ومناطق الجبل الأخضر، موضحة أن اختلاف طبيعة المناطق والتضاريس يجعل تأثير الأمطار متفاوتًا من منطقة إلى أخرى.
وأضافت فوناس أن الأمطار الغزيرة قد تؤدي إلى زيادة الجريان السطحي وتجمع المياه في المناطق المنخفضة، خاصة إذا تركزت كميات كبيرة من الهطول خلال فترة زمنية قصيرة، مشيرة إلى أن حجم التأثير يرتبط بكمية الأمطار ومدتها وطبيعة المنطقة وقدرة شبكات التصريف على استيعاب المياه.
وأوضحت أن بنغازي تواجه تحديات خاصة مرتبطة بالتوسع العمراني ووجود مناطق منخفضة وشبكات لتصريف مياه الأمطار تحتاج إلى قدرة مناسبة للتعامل مع الهطولات المركزة، مؤكدة أهمية مراعاة مسارات المياه الطبيعية عند التخطيط العمراني وعدم إعاقة حركة مياه الأمطار.
وأشارت إلى أن طبيعة الجبل الأخضر التضاريسية وارتفاعاته وغطاءه النباتي تجعله مختلفًا بيئيًا عن المناطق الساحلية المنخفضة، إذ يمكن للأمطار أن تسهم في دعم الموارد المائية والغطاء النباتي والزراعة، لكنها قد تؤدي في الوقت ذاته إلى جريان سطحي سريع وانجراف للتربة في المناطق التي تعاني من تدهور الغطاء النباتي أو تعرضت لتدخلات بشرية أثرت في مسارات المياه.
وشددت فوناس على ضرورة حماية الأودية ومسارات المياه الطبيعية، موضحة أن التعامل معها باعتبارها جزءًا من المنظومة البيئية يساعد في الحد من المخاطر التي قد تنتج عن الأمطار الغزيرة، خصوصًا في المناطق التي شهدت توسعًا عمرانيًا متزايدًا.
وحول العلاقة بين الحالة الجوية الحالية والتغير المناخي، أكدت مديرة المركز أن "من غير الصحيح علميًا اعتبار حالة جوية منفردة دليلًا مباشرًا على الاحتباس الحراري أو تغير المناخ"، موضحة أن العواصف والأمطار الرعدية تمثل أحداثًا جوية قصيرة المدى، بينما يتم تحديد اتجاهات التغير المناخي من خلال دراسة بيانات تمتد لعقود وتشمل درجات الحرارة وكميات الهطول وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة.
وأوضحت أن ارتفاع حرارة الغلاف الجوي والبحار يمكن أن يؤثر في الدورة الهيدرولوجية، باعتبار أن الهواء الأكثر دفئًا يستطيع حمل كميات أكبر من بخار الماء، وهو ما قد يوفر ظروفًا ملائمة لهطولات أكثر شدة عند توافر عوامل عدم الاستقرار الجوي المناسبة، مؤكدة أن دراسة الأمطار الغزيرة والعواصف المفاجئة أصبحت جزءًا مهمًا من تقييم مخاطر التغيرات المناخية.
وقالت إن هذه المعطيات تجعل من الضروري تطوير الدراسات المناخية المحلية، وعدم الاكتفاء بالبيانات العامة، من خلال إنشاء قواعد بيانات طويلة المدى لدرجات الحرارة وكميات الأمطار والرطوبة والرياح، وربطها بالبيانات الجغرافية والبيئية، بما يساعد على فهم خصائص الطقس والمناخ في كل منطقة.
وأضافت أن استخدام تقنيات الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية يمكن أن يوفر أدوات مهمة لتحديد المناطق الأكثر عرضة للسيول وتجمع المياه، ويساعد البلديات والجهات المختصة على وضع خطط أكثر دقة للتعامل مع المخاطر قبل حدوثها.
ولفتت فوناس إلى أن شرق ليبيا ما زال يتعامل مع تداعيات الفيضانات التي شهدتها المنطقة في سبتمبر 2023، الأمر الذي يجعل مراقبة الأمطار والسيول وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر مسألة تتجاوز التعامل مع حالة جوية عابرة، لتصبح جزءًا من منظومة إدارة مخاطر الكوارث وحماية السكان والبنية التحتية.
وأكدت أن تطوير منظومة الإنذار المبكر لا يتوقف عند رصد الحالة الجوية، بل يتطلب وجود آلية واضحة وسريعة لنقل المعلومات والتحذيرات إلى المواطنين والبلديات والجهات المعنية، بما يسمح باتخاذ الإجراءات الوقائية في الوقت المناسب وتقليل الخسائر البشرية والمادية.
ودعت في هذا السياق إلى تحسين شبكات تصريف مياه الأمطار داخل المدن، وحماية الأودية ومسارات المياه الطبيعية، وزيادة المساحات الخضراء، إلى جانب مكافحة تدهور التربة والغطاء النباتي في مناطق الجبل الأخضر، باعتبارها إجراءات مترابطة يمكن أن تسهم في الحد من آثار الأمطار الغزيرة.
وبيّنت أن إدارة مياه الأمطار تحتاج كذلك إلى ربط التخطيط الحضري بالمعطيات البيئية والمناخية، بحيث لا تقتصر المعالجة على الاستجابة عند حدوث تجمعات المياه أو السيول، وإنما تبدأ من مرحلة التخطيط وتحديد المناطق الأكثر تعرضًا للخطر.
وأشارت إلى أن الحالة الجوية الحالية توفر فرصة عملية لتقييم جاهزية المدن والبلديات في شرق ليبيا، وقياس مدى قدرة شبكات التصريف والبنية التحتية وأنظمة الاستجابة على التعامل مع الهطولات المركزة، مؤكدة أن الاستفادة من مثل هذه الحالات تتطلب توثيق البيانات ومقارنتها بالسجلات المناخية السابقة.
وأكدت فوناس أن حماية البيئة وإدارة مخاطر الأمطار لا تنفصلان عن التخطيط للمستقبل، موضحة أن الحفاظ على الغطاء النباتي، وحماية مجاري الأودية، وتحسين البنية التحتية، وتطوير نظم الرصد والإنذار المبكر، تمثل عناصر مترابطة في تعزيز قدرة المناطق الحضرية والجبلية على مواجهة التقلبات الجوية.
وخلصت مديرة المركز الليبي لأبحاث تغير المناخ إلى أن التعامل مع الأمطار ينبغي أن ينتقل من مفهوم الاستجابة الموسمية إلى إدارة متكاملة للمخاطر، تقوم على الرصد العلمي والبيانات المحلية والإنذار المبكر والتخطيط الحضري وحماية الموارد الطبيعية، مؤكدة أن تعزيز هذه المنظومة يمثل خطوة أساسية لرفع قدرة المدن والمناطق الجبلية على التكيف مع التقلبات الجوية ومواجهة المخاطر المرتبطة بها.
وال بنغازي..