Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

رغيف الخبز يدخل دائرة الغلاء.. ارتفاع تكاليف الإنتاج يضغط على المواطنين والمخابز .

نشر بتاريخ:

 طرابلس 13 سبتمبر 2026 (وال) - لا تبدو أزمة رغيف الخبز في ليبيا مجرد زيادة جديدة في سعر سلعة أساسية، بقدر ما تكشف عن اتساع دائرة الضغوط التي باتت تحاصر المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فالرغيف الذي ظل لعقود من أقل السلع كلفة وأكثرها حضوراً على موائد الأسر الليبية، أصبح بدوره يتأثر بارتفاع تكاليف الدقيق والوقود والنقل والعمالة والطاقة، في وقت تتواصل فيه انقطاعات الكهرباء وتتصاعد أعباء المعيشة.

 ومع وصول سعر الرغيف في بعض المخابز إلى نحو 50 قرشا، بعد أن كان يباع بنحو 33 قرشا، تتجدد مخاوف المواطنين من تحول الزيادة، وإن بدت محدودة في القطعة الواحدة، إلى عبء شهري متراكم، ولا سيما على الأسر محدودة الدخل التي تواجه في الوقت نفسه ارتفاعا متواصلاً في أسعار الغذاء والخدمات.

 ويقول المواطن أحمد عمر، موظف يتقاضى مرتبا قدره 1800 دينار وأب لطفلين، إن ارتفاع سعر الرغيف إلى نحو 50 قرشا يمثل عبئا إضافياً على الأسر، موضحا أن الزيادة قد تبدو بسيطة عند شراء الرغيف، لكنها تتحول مع تكرار الشراء يوميا إلى تكلفة ملحوظة في نهاية الشهر.

 وأضاف أن المواطن لم يعد يواجه أزمة واحدة، قائلا: "أسعار المواد الغذائية ترتفع، والكهرباء تنقطع، والوقود يصعب الحصول عليه، واليوم أصبح حتى رغيف الخبز أغلى، ونحن أصحاب الدخل المحدود من يتحمل هذه الزيادات".

 أما المواطن سالم علي، فيرى أن ارتفاع سعر الرغيف من نحو 33 قرشا إلى 50 قرشا لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة، موضحا أن "الزيادة في الرغيف قد تبدو بسيطة، لكنها عندما تتكرر يوميا ومع عدد أفراد الأسرة تصبح مبلغا كبيرا في نهاية الشهر".

 وتقول المواطنة فاطمة أحمد، أرملة وأم لثلاثة أطفال وتتقاضى مرتبا ضمانياً قدره 900 دينار، إن ارتفاع سعر الخبز يمثل ضغطا إضافيا على الأسر محدودة الدخل، مشيرة إلى أن "الخبز ليس سلعة يمكن الاستغناء عنها، وعندما يرتفع سعره لا يكون أمام المواطن خيار سوى دفع السعر الجديد، حتى وإن كان ذلك على حساب احتياجات أخرى".

 وفي المقابل، يرى عبد الرزاق خالد، صاحب مخبز في مدينة طرابلس، أن ارتفاع سعر الرغيف لا يعود إلى رغبة أصحاب المخابز في زيادة الأسعار، وإنما إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، مؤكدا أن "صاحب المخبز متضرر مثل المواطن، فالدقيق ارتفع، والوقود ارتفع، والكهرباء غير مستقرة، ونضطر في كثير من الأحيان إلى تشغيل المولدات، وكل هذه التكاليف تدخل في سعر الرغيف".

 وأضاف أن "بيع الرغيف بالسعر السابق أصبح صعبا في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف التشغيل، فإما أن نرفع السعر بما يتناسب مع التكلفة، أو نقلل الوزن، أو نضطر إلى إغلاق المخبز".

 ومن جهته، أوضح حيذر سالم، صاحب أحد المخابز، أن وصول سعر الرغيف إلى نحو نصف دينار جاء نتيجة تراكم عدة أعباء على أصحاب المخابز، في مقدمتها انقطاع الكهرباء وارتفاع سعر الديزل.

 وقال سالم في تصريح لوكالة الأنباء الليبية إن "أغلب المخابز تشتغل بالديزل بسبب الانقطاعات الطويلة للكهرباء، وارتفاع سعر لتر الديزل إلى نحو 9 دنانير سبب لنا مشكلة كبيرة، لأن المولدات تستهلك كميات كبيرة من الوقود".

 وأضاف أن "المشكلة لا تتعلق بالديزل وحده، فهناك أيضاً ارتفاع في أسعار الدقيق والنقل والعمالة والزيت والمياه، وكل هذه الأمور تدخل في تكلفة إنتاج الرغيف".

 وأشار إلى أن تشغيل المولدات لساعات طويلة يتسبب في أعطال ومشكلات فنية، قائلا: "من الصعب تشغيل المولد لمدة 17 ساعة متواصلة، لأنه ترتفع حرارته بشكل كبير وقد يتوقف تلقائيا، وعندما يتوقف تتوقف معه عملية الإنتاج، وخسارة كمية الدقيق المستعملة".

 وبيّن أن ارتفاع تكلفة النقل والعمالة زاد من أعباء أصحاب المخابز، موضحا أن "تكلفة نقل الدقيق ارتفعت، وحتى العمال الذين يقومون بتنزيل الأكياس أصبحوا يطالبون بزيادة أجورهم، كما ارتفع سعر القنطار من 315 إلى 325 دينارا".

 وتابع أن "صاحب المخبز أصبح بين نارين؛ المواطن يريد رغيفا بسعر مناسب، ونحن نريد الاستمرار في العمل، لكن إذا استمرت أسعار الدقيق والوقود وبقية المستلزمات في الارتفاع، فمن الصعب أن نحافظ على السعر القديم".

 وبينما يضع المواطنون الزيادة في إطار موجة غلاء متصاعدة، ويعزو أصحاب المخابز ارتفاع السعر إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج، يرى مختصون في حماية المستهلك أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على تحديد سعر نهائي للرغيف، وإنما تبدأ من ضبط سلسلة الإمداد التي تسبق وصوله إلى المستهلك.

 وفي هذا السياق، قال مدير العلاقات بالمنظمة الليبية لحماية حقوق المستهلك، فرج أبوقرين، إن ارتفاع سعر رغيف الخبز في عدد من المخابز يأتي نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، وفي مقدمتها أسعار الدقيق والوقود، إلى جانب الانقطاعات المتكررة للكهرباء وتذبذب أسعار الصرف.

 وأوضح أبوقرين أن مطالبة أصحاب المخابز بالالتزام بسعر محدد، دون توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، لا تمثل معالجة حقيقية للأزمة، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار الدقيق والديزل وتكاليف التشغيل انعكس على سعر الرغيف وحجمه.

 وأكد أن معالجة الأزمة يجب أن تبدأ من جذورها، من خلال خفض أو دعم أسعار الدقيق، وتوفير وقود الديزل للمخابز، ومعالجة أزمة الكهرباء، وبعد ذلك يمكن للجهات المختصة تحديد تسعيرة مناسبة لرغيف الخبز وإلزام المخابز بها.

 ودعا أبوقرين السلطات المسؤولة إلى التدخل العاجل لمعالجة أزمة الدقيق، ومتابعة المطاحن والموردين وآليات توريد وتوزيع الدقيق، والتأكد من وصوله إلى المخابز بالسعر المناسب، إلى جانب مواجهة أي عمليات مضاربة أو بيع في السوق السوداء.

 وفيما يتعلق بالرقابة، أشار إلى أن جهاز الحرس البلدي يتولى متابعة المخابز من حيث النظافة وجودة الخبز والوزن، إلا أن نقص الإمكانيات البشرية والمادية يحد من قدرته على أداء مهامه، داعيا إلى تشديد الرقابة على وزن وحجم الرغيف وأسعاره بعد معالجة ارتفاع تكاليف الإنتاج.

 وشدد أبوقرين على أن تقليل حجم الرغيف بالتزامن مع رفع سعره ليس حلا للأزمة، مؤكدا أن المواطن يبقى الطرف الأكثر تضررا من استمرار ارتفاع الأسعار، خاصة في ظل اعتماد الأسر الليبية على الخبز كأحد المكونات الأساسية للغذاء.

 وأضاف أن ضبط سوق الدقيق وتوفير الوقود والكهرباء للمخابز يمثلان الخطوة الأولى نحو استقرار سعر رغيف الخبز، بما يضمن توفيره للمواطن بسعر مناسب، مع إمكانية محاسبة المخابز المخالفة بعد توفير الظروف اللازمة للإنتاج.

 وتضع أزمة الرغيف الجهات المعنية أمام معادلة صعبة: حماية قدرة المواطن على شراء سلعة أساسية من جهة، وضمان استمرار المخابز في الإنتاج من جهة أخرى. وبين الطرفين تتداخل أزمات الكهرباء والوقود والدقيق والنقل والعمالة، لتجعل من سعر الرغيف مؤشرا آخر على حجم الضغوط التي تتحملها الأسرة الليبية.

 ويرى متابعون للشأن الليبي أن معالجة ارتفاع سعر الخبز لا تبدو ممكنة عبر ملاحقة السعر النهائي وحده، بل تتطلب معالجة مسببات ارتفاع التكلفة على امتداد سلسلة الإنتاج والتوزيع، بدءا من الدقيق والوقود والطاقة ووصولا إلى المخبز والمستهلك. فاستقرار سعر الرغيف لن يتحقق بقرار إداري منفرد، ما لم يرافقه استقرار في مدخلات إنتاجه وضمان وصولها إلى المخابز بأسعار عادلة، بما يحفظ للمواطن قدرته الشرائية، ولأصحاب المخابز قدرتهم على الاستمرار، ويحول دون أن يصبح الرغيف، رمز أبسط احتياجات المائدة، حلقة جديدة في سلسلة الأزمات المعيشية المتلاحقة في البلاد. 

(وال)

 متابعة وتصوير – محمد الزرقاني – أميرة التومي –زهرة الفيتوري .