بعد ثلاث سنوات من دانيال.. درنة تستعيد الحياة وتتمسك بذاكرتها
نشر بتاريخ:
*تقرير: هبة أحمد / زهرة البركي / هبة الفيتوري
درنة 10 سبتمبر 2026 (وال) – بعد ثلاث سنوات من كارثة الفيضانات التي ضربت مدينة درنة في سبتمبر 2023 إثر العاصفة المتوسطية “دانيال” وانهيار سدي درنة وأبو منصور، تمضي المدينة في طريق طويل لاستعادة ما فقدته، عبر أعمال إعادة الإعمار وتأهيل المساكن والطرق والجسور والمرافق العامة، التي يشرف على تنفيذها صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا.
ولا تختصر حكاية درنة اليوم في المباني التي أعيد تشييدها أو الطرق التي أعيد فتحها، فآثار الكارثة لا تزال حاضرة في ذاكرة سكانها، فيما تحاول المدينة استعادة تفاصيل حياتها اليومية التي انقطعت في ليلة واحدة، والعودة إلى مكانتها كمدينة ارتبط اسمها بالبحر والوادي والأسواق والثقافة والرياضة.
ويقول فتحي مغيب، من هيئة السلامة الوطنية بدرنة، إن أعمال الإعمار وصلت إلى مراحل متقدمة في عدد من المشروعات، مشيرًا إلى أن بعضها حقق نسب إنجاز كاملة، وأن مشروعات أخرى أسهمت في تحسين واقع المدينة مقارنة بما كان عليه قبل الكارثة.
وأوضح مغيب أن الهيئة السلام نظمت ندوة علمية حول الكوارث الطبيعية وسبل التعامل معها قبل وقوعها وبعدها، بمشاركة مختصين وجهات أمنية وخدمية، بهدف رفع الوعي وتعزيز جاهزية المؤسسات للتعامل مع المخاطر.
وأشار إلى أن البيانات والتفاصيل المتعلقة بمشروعات إعادة الإعمار، وخاصة المشروعات السكنية، تقع ضمن اختصاص صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، باعتباره الجهة المعنية بتنفيذ ومتابعة عدد من هذه المشروعات.
ذاكرة مدينة لم تغب
وبعيدًا عن أرقام المشروعات ونسب الإنجاز، تحمل درنة ذاكرة مختلفة للكارثة؛ ذاكرة الأشخاص والأماكن التي شكّلت تفاصيل حياتها لعقود.
ويستعيد الإعلامي الرياضي علي منصور النويصري، في حديث لوكالة الأنباء الليبية، جانبًا من هذه الذاكرة، متحدثًا عن مدينة ارتبطت في وجدان سكانها بالمسرح والرياضة والبحر والآثار، وبحياة اجتماعية وثقافية امتدت لعقود.
النويصري، الذي يعمل في مجال الإعلام الرياضي منذ عام 1990، وشغل مديرًا للإعلام والثقافة في درنة بين عامي 2015 و2017، يقول إن المدينة كانت تمتلك حضورًا ثقافيًا ورياضيًا بارزًا، مستذكرًا تاريخ المسرح منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ودور فريقي الأفريقي ودارنس في الحياة الرياضية للمدينة.
لكن ذاكرة درنة الحديثة تحمل أيضًا صورًا مختلفة. ففي فجر اليوم التالي للكارثة، دخل النويصري المدينة بعد أن كان في بنغازي ليلة وقوع الفيضانات، ويقول إن حجم الدمار كان كبيرًا إلى درجة جعلته يجد صعوبة في التعرف على أجزاء من المدينة التي عاش فيها نحو خمسة عقود.
وتسببت الفيضانات في تضرر الطرق والمعابر والبنية التحتية، وأعاقت حركة السكان بين أحياء المدينة، كما طالت أضرارها عددًا من المعالم والأماكن التي ارتبطت بذاكرة الدرناويين، من بينها المسجد العتيق وشارع الصحابة والمسرح ونادي دارنس والفنار وباب طبرق.
وبالنسبة لسكان المدينة، لم تكن تلك الأماكن مجرد مبانٍ، بل أجزاء من يومياتهم وذكرياتهم، وهو ما جعل فقدانها أحد الجوانب الأكثر قسوة في الكارثة.
وفي الأيام الأولى، انشغلت المدينة بعمليات البحث والإنقاذ وانتشال الضحايا وإغاثة المتضررين، فيما وصلت المساعدات من مدن ومناطق مختلفة، وشاركت الجهات الأمنية والعسكرية في تأمين المدينة وتنظيم عمليات الاستجابة للكارثة.
من بين الركام تعود الحياة
ومع انتقال درنة من مرحلة الاستجابة للكارثة إلى مرحلة إعادة الإعمار، بدأت أعمال التأهيل تشمل قطاعات مختلفة، من المدارس والمساجد إلى الطرق والجسور والمرافق الصحية والرياضية.
ويشير النويصري إلى إعادة تأهيل عشرات المدارس والمساجد، من بينها مسجد الصحابة، إلى جانب مرافق أخرى، معتبرًا أن عودة النشاط الرياضي تمثل أحد المؤشرات الواضحة على استعادة المدينة لحياتها.
وكانت إعادة افتتاح ملعب درنة وعودة الشباب والجمهور إلى المدرجات لحظة تحمل معنى خاصًا لأهالي المدينة، بعدما فقد كثيرون أقارب وجيرانًا وأصدقاء في الفيضانات.
ففي مدينة ما زالت تتذكر أسماء من غابوا، تصبح عودة مباراة أو فتح مدرسة أو استئناف نشاط تجاري أكثر من مجرد عودة لخدمة؛ إنها علامة على أن الحياة اليومية بدأت تستعيد مكانها.
الإعمار يفتح أبواب العمل
ولا تتوقف آثار إعادة الإعمار عند المباني والخدمات، إذ انعكست المشروعات الجديدة على سوق العمل داخل المدينة، ووفرت فرصًا لعدد من شباب درنة، خاصة من خريجي الجامعات في تخصصات الهندسة.
ويقول الناشط الإعلامي حمدي سالم بن زابيه إن قطاعات المقاولات والنقل والتجارة شهدت نشاطًا مع توسع أعمال الإعمار، إلى جانب عودة أبناء المدينة إلى أعمال ومهن كانت قد شهدت تراجعًا خلال السنوات الماضية.
ويشير إلى أن مشروعات الإعمار وفرت فرصًا في مجالات الهندسة والمقاولات والنقل والتجارة، وساعدت في تحريك السوق المحلية، بعد سنوات كان الاعتماد فيها بدرجة كبيرة على الوظائف والمرتبات.
ويرى بن زابيه أن المرحلة المقبلة يمكن أن تتجاوز إعادة بناء ما دمرته الفيضانات، لتفتح المجال أمام استثمار المقومات السياحية والطبيعية للمدينة، بما فيها شواطئها وأوديتها وجبالها والمدينة القديمة ومعالمها التاريخية.
ويقترح دعم المشروعات الصغيرة وتشجيع الشباب على الاستثمار في المطاعم والمقاهي والحرف التقليدية وتنظيم الرحلات والفعاليات الثقافية والفنية، بما يساعد على تنشيط الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل جديدة.
مدينة بتنوعها وذاكرتها
ويصف بن زابيه التنوع الاجتماعي والثقافي بأنه أحد أبرز ملامح درنة، التي تجمع سكانًا من مناطق مختلفة من شرق ليبيا وغربها وجنوبها، إلى جانب المكون الأمازيغي، وهو تنوع انعكس على العادات والأطعمة وأنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية.
ويرى أن هذا التنوع يمثل جزءًا من هوية المدينة وثرائها الثقافي، ويستحق أن يكون حاضرًا في أي تصور لمستقبل درنة.
وبعد ثلاث سنوات من الكارثة، تبدو درنة أمام مرحلة جديدة؛ مرحلة لا تقتصر على إعادة بناء ما تهدم، وإنما تمتد إلى استعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وحماية هوية المدينة وتراثها، والاستعداد بشكل أفضل لمواجهة الكوارث.
وتبرز في هذا السياق أهمية صيانة السدود ومجاري الأودية، وتطوير شبكات تصريف مياه الأمطار، وتحسين البنية التحتية ورفع كفاءة أنظمة الإنذار المبكر، بما يقلل من مخاطر تكرار الكارثة ويحمي السكان.
وبين صور درنة التي تحتفظ بها ذاكرة أهلها، وصورتها الجديدة التي تتشكل مع كل طريق يعاد فتحه وكل مدرسة تستقبل طلابها وكل ملعب تعود إليه الجماهير، تواصل المدينة استعادة حياتها.
(وال-بنغازي)