التعليم في ليبيا.. وفرة في الأعداد ونقص في الكفاءة والبنية التحتية
نشر بتاريخ:
-متابعة وتصوير / محمد الزرقاني- أميرة التومي .
طرابلس 08 سبتمبر 2026(وال) – يستقبل قطاع التعليم في ليبيا العام الدراسي الجديد 2026–2027 وسط تحديات متراكمة، تتصل بارتفاع أعداد التلاميذ، والاكتظاظ داخل الفصول، ونقص بعض التخصصات التعليمية، فضلا عن تفاوت توزيع المعلمين والمدارس والإمكانات بين المناطق، في وقت لا تعكس فيه ضخامة أعداد العاملين في القطاع بالضرورة حجم الاحتياجات الفعلية للمؤسسات التعليمية، إلى جانب مطالب المعلمين بتحسين أوضاعهم الوظيفية، في ظل غياب استراتيجية وطنية طويلة الأمد .
وبحسب البيانات الرسمية، يقدر عدد العاملين في قطاع التعليم بنحو 560 ألفا إلى 650 ألف موظف ومعلم ضمن قوائم الوزارة والجهات التابعة لها، فيما يبلغ عدد المعلمين الفعليين العاملين داخل المؤسسات التعليمية وفي جداول التدريس نحو 180 ألفا. وفي المقابل، يصل عدد الطلاب المسجلين في مختلف مراحل التعليم إلى نحو 2.58 مليون طالب وطالبة.
وبحساب عدد التلاميذ مقارنة بالمعلمين الفعليين، يبدو المعدل العام قريبا من 14 تلميذا لكل معلم، ويُعد من أفضل المعدلات عالميا (حيث يبلغ المتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم 38 دولة من مختلف أنحاء العالم ذات الاقتصادات المتقدمة، حوالي 15 طالبا لكل معلم)، غير أن هذا المتوسط يُخفي تفاوتا كبيرا بين المناطق. ففي المدن ذات الكثافة السكانية المرتفعة، ولا سيما طرابلس وبنغازي، ترتفع أعداد التلاميذ في بعض الفصول إلى 35 أو 40، فيما يمكن أن يصل العدد في بعض مدارس العاصمة إلى نحو 60 تلميذا، بينما تنخفض الكثافة في بعض المناطق الداخلية والنائية إلى أقل من 20 تلميذا في الفصل.
كما تشير الوقائع إلى أن المشكلة لا تتمثل بالضرورة في نقص إجمالي أعداد المعلمين، وإنما في اختلال توزيعهم جغرافيا وتخصصيا؛ إذ تعاني بعض المدن من تكدس في الكوادر، بينما تواجه مناطق نائية وجنوبية نقصاً في تخصصات علمية محددة، بينها الرياضيات والفيزياء والكيمياء واللغات.
وفي هذا السياق، قال نقيب معلمي طرابلس الكبرى، أشرف أبو راوي، إن امتناع بعض المدارس عن التصريح لوسائل الإعلام بشأن استعداداتها قد يرتبط بوجود تحديات أو نواقص داخلها، مؤكدا أن تقييم جاهزية المؤسسات التعليمية يتطلب الوقوف على أوضاعها بشكل مباشر.
وأوضح أبو راوي في تصريح لوكالة الأنباء الليبية أن مطالب المعلمين المتعلقة بتحسين أوضاعهم الوظيفية وزيادة المرتبات وصرف الفروقات المالية ليست جديدة، مشيرا إلى أن تصاعد التحركات النقابية مع قرب انطلاق العام الدراسي يأتي باعتباره التوقيت الأنسب للمطالبة بالحقوق.
وقال إن حالة الاحتقان وصلت إلى اتفاق يقضي بعدم بدء الدراسة قبل الاستجابة لمطالب المعلمين، في وقت يرى فيه أن غياب استراتيجية وطنية طويلة الأمد يمثل أحد أبرز المشكلات التي يعاني منها قطاع التعليم، إلى جانب سوء توزيع المعلمين والتخصصات، وتأخر سد العجز نتيجة توقف التعيينات وإحالة بعض المعلمين إلى التقاعد أو انتقالهم إلى جهات أخرى.
ويرتبط الاكتظاظ في المدن الكبرى، وفق أبو راوي، بعوامل عدة من بينها النزوح والهجرة الداخلية بحثا عن خدمات أفضل، موضحا أن عدد التلاميذ في بعض الفصول بالمناطق الداخلية يتراوح بين 12 و20 تلميذا، بينما قد يصل في بعض مدارس العاصمة إلى نحو 60 تلميذاً، داعيا إلى تحسين الخدمات التعليمية في المناطق الداخلية وإعادة توزيع المدارس والمعلمين والإمكانات وفق الاحتياجات الفعلية، بما يخفف الضغط عن مدارس المدن الكبرى.
وتقدم مدرسة جامع التركي بنين نموذجاً لهذا الضغط؛ إذ أكدت مديرة المدرسة سهير الغزيوي جاهزية المؤسسة لاستقبال التلاميذ، لكنها أشارت إلى أن ارتفاع أعدادهم ونقص المقاعد والاكتظاظ يمثل أبرز التحديات. وتضم المدرسة 20 فصلا وتعمل بنظام الفترتين، ويتراوح عدد التلاميذ في الفصل بين 35 و37 ، وقد يصل إلى 40 تلميذا، مع إرجاع جانب من الزيادة إلى ارتفاع تكاليف التعليم الخاص، ما يدفع بعض الأسر إلى العودة إلى المدارس العامة.
ولا يقتصر التحدي على أعداد التلاميذ، بل يمتد إلى توزيع التخصصات؛ إذ أبلغت معلمة الاجتماعيات، تخصص جغرافيا، هاجر أبوخشيم، (وال) بأنها اضطرت إلى تدريس حصص إضافية في مادة التاريخ بسبب النقص في معلمي التخصص، مؤكدة أهمية استمرار برامج تدريب المعلمين وتطوير مهاراتهم.
وفي مواجهة هذه الاختلالات، تعتمد السلطات المسؤولة على إعادة توزيع المعلمين من خلال "الاحتياط العام"، إلى جانب برامج إعادة التأهيل والتعاقد الجزئي وربط الملاك الوظيفي إلكترونيا، بهدف الاستفادة من الفائض وسد العجز في التخصصات والمناطق التي تحتاج إلى كوادر.
أما أزمة المباني، فتظل، بحسب المختصين، أحد أبرز أسباب اللجوء إلى نظام الفترتين في المدن الكبرى، حيث لم يواكب النمو السكاني التوسع المطلوب في إنشاء المدارس، الأمر الذي انعكس على زمن الحصة الدراسية والفسحة، وأدى في بعض الحالات إلى تقليص زمن الحصة إلى 35 أو 40 دقيقة بدلا من 45 دقيقة.
وتحاول السلطات المسؤولة معالجة جانب من هذه المشكلة من خلال "مشروع مدارس المستقبل"، الذي يستهدف إنشاء 500 مدرسة في مرحلته الأولى ضمن خطة أوسع لإنشاء 1500 مدرسة خلال ثلاث سنوات. ووفق البيانات المعلنة التي تحصلت عليها (وال)، جرى تسليم 46 مدرسة جديدة وفرت 501 فصل دراسي بطاقة استيعابية بلغت 23,448 طالبا وطالبة، فيما تتواصل أعمال تنفيذ أكثر من 431 مشروع مدرسة بنسب إنجاز متفاوتة.
وتتضمن المدارس الجديدة، وفق النموذج المعتمد، معامل للفيزياء والكيمياء والحاسوب، ومكتبات ومرافق رياضية ومسارح، إلى جانب منظومات للطاقة المتجددة والمياه، بما يفترض أن يوفر بيئة تعليمية أكثر ملاءمة.
وتبدو معضلة التعليم في ليبيا، برأي المتخصصين، أبعد من مجرد نقص أو وفرة في أعداد المعلمين؛ فهي ترتبط بتوزيع الكوادر والتخصصات، ونقص المباني، والاكتظاظ، وتفاوت الخدمات بين المناطق، فضلا عن الحاجة إلى رؤية وطنية مستقرة تتجاوز الحلول المؤقتة.
ويؤكد الخبراء في هذا القطاع الاستراتيجي أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد من يعملون في قطاع التعليم فقط، وإنما في مدى قدرة هذا العدد على الوصول إلى المكان الصحيح، وفي التخصص الصحيح، وفي البيئة المدرسية القادرة على تحويل الموارد البشرية والمادية إلى تعليم جيد؛ إذ لا تكفي المدرسة كجدران، ولا المعلم كرقم في كشف المرتبات، ما لم ينعكس ذلك في النهاية على جودة التعليم ومستقبل التلميذ.
(وال)