أزمة الكهرباء تتسع والأسئلة تتكاثر: متى ينتهي الظلام؟ (متابعة) .
نشر بتاريخ:طرابلس 27 أغسطس 2026 (وال) – يقترب الصيف في ليبيا من نهايته وتلوح العودة إلى المدارس في الأفق، غير أن أزمة الكهرباء لا تزال تثقل كاهل الليبيين، مع استمرار ساعات طرح الأحمال وعودة الانقطاعات الواسعة التي شملت مناطق في غرب البلاد وشرقها وجنوبها.
وقال محرر الشؤون المحلية بوكالة الأنباء الليبية (وال) إن الكهرباء لم تعد بالنسبة إلى المواطن الليبي خدمة يمكن الاستغناء عنها مؤقتًا، بل تحولت إلى عصب تتوقف عليه تفاصيل الحياة اليومية، من تشغيل الأجهزة المنزلية وحفظ الأغذية والأدوية، إلى الاتصالات والمصاعد والمحال التجارية، فضلا عن احتياجات المرضى وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.
وأضاف أن وطأة الأزمة تتضاعف عندما يتعلق الأمر بالمياه. فجزء كبير من الأسر الليبية يعتمد على مصادر مياه تحتاج إلى الضخ الكهربائي، سواء من الآبار أو الشبكات المحلية، ثم تخزينها في خزانات أرضية ورفعها إلى خزانات المنازل بواسطة مضخات أخرى. ولذلك فإن انقطاع الكهرباء الطويل لا يعني غياب الإنارة فقط، وإنما قد يعني أيضا انقطاع المياه، وتعطل وسائل التبريد وحفظ الغذاء، وتفاقم الأعباء المعيشية والصحية.
غير أن السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه اليوم هو، برأي المحرر: كيف وصلت منظومة الكهرباء إلى هذه المرحلة رغم الأموال الطائلة التي أنفقتها الدولة على القطاع خلال السنوات الماضية بحسب البيانات الرسمية؟
وقال إن تغيير مجلس إدارة الشركة العامة للكهرباء جاء في خضم الأزمة، لكن المواطن لم يحصل، حتى الآن، على إجابة واضحة عن جذور الاختناقات الفنية والتشغيلية، ولا عن حجم العجز الحقيقي في قدرات التوليد، أو أسباب تكرار الانهيارات، أو الجدول الزمني لمعالجة المشكلة.
وبحسب الشركة العامة للكهرباء، تعمل فرق الصيانة على مدار الساعة لمعالجة أعطال الشبكة واستعادة التوازن التشغيلي، بما يسمح تدريجيا بتقليص ساعات طرح الأحمال، فيما وجهت الحكومة باتخاذ إجراءات لضمان عدالة توزيع الأحمال واستثناء المستشفيات والمرافق الصحية والمواقع النفطية. كما وجهت بإدخال محطة شركة الحديد والصلب إلى الشبكة العامة للمساهمة في دعم الإمدادات. لكن هذه الإجراءات، على أهميتها، تبدو أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى معالجة جذورها.
واستطرد المحرر"هنا تتسع دائرة الأسئلة: هل المشكلة في نقص القدرة الإنتاجية؟ أم في شبكات النقل والتوزيع؟ أم في الصيانة؟ أم في الوقود؟ أم في إدارة القطاع وتراكم الاختلالات داخله؟
وأوضح أن علامات الاستفهام تزداد عندما يوضع ملف الكهرباء في سياقه الأوسع، أي ملف المحروقات. فقد أعلنت الجهات الرسمية أن المخصصات المالية لتوفير المحروقات تبلغ نحو 1.1 مليار دولار شهريا، أي ما يقارب 12 مليار دولار سنويا، مع تسجيل معدلات استهلاك للبنزين تصل في بعض الفترات إلى ملايين اللترات يوميا، وبلغت في إحدى فترات الذروة نحو 11 مليون لتر يوميا.
غير أن المحرر تساءل في هذا الصدد كيف يجد المواطن نفسه، في المقابل، في بلد ينتج النفط والغاز، أمام طوابير طويلة للحصول على الوقود، بينما يصل سعر لتر الديزل في السوق الموازية إلى مستويات تفوق السعر الرسمي بأضعاف كبيرة. وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: إذا كانت الدولة تخصص مليارات الدولارات للمحروقات، فمن أين يأتي الوقود الذي يباع خارج القنوات الرسمية؟ وكيف يتسرب من المنظومة؟ ومن المستفيد؟
وتشير بيانات محلية ودولية إلى أن ليبيا تستورد معظم استهلاكها من الوقود بسبب محدودية قدرات المصافي المحلية، فيما قفزت واردات الوقود إلى نحو 9 مليارات دولار في عام 2024. كما أظهرت مناقشات رسمية خلال العام الجاري وجود معدلات استهلاك وتوزيع تستدعي الدراسة، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز الرقابة على منظومة التوزيع ومكافحة التهريب.
ويرى المحرر بناء على ذلك أن أزمة الكهرباء لا تبدو معزولة عن أزمة أوسع تتعلق بإدارة الطاقة والمحروقات والإنفاق العام والرقابة. فالليبيون لا يطالبون بمعجزة، بل يريدون تفسيرا واضحا: أين تكمن المشكلة؟ كم أنفقت الدولة؟ ماذا أُنجز بهذه الأموال؟ ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق؟ ومتى يعود التيار إلى استقرار يمكن الاعتماد عليه؟
و لاحظ المحرر من خلال رصد تفاعلات المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي أنه مع اقتراب العام الدراسي واستمرار الحرارة، لم يعد الصمت الرسمي كافيا، مؤكدا أن المطلوب ليس فقط إعلان خطط الصيانة أو تغيير مجالس الإدارات، وإنما تقديم كشف واضح للرأي العام عن أسباب الأزمة، وحجم العجز، والإنفاق، ومراحل المعالجة، والموعد المتوقع للخروج منها.
(وال)