حين تتحول الأزمات اليومية إلى سؤال واحد: إلى أين يقودون ليبيا؟ (متابعة) .
نشر بتاريخ:
طرابلس 20 أغسطس 2026 (وال) - لم يكن صباح طرابلس اليوم الخميس مختلفًا كثيرا عن الأمس. طوابير طويلة من السيارات تمتد لمسافات كبيرة أمام محطات توزيع الوقود، ومواطنون ينتظرون ساعات للحصول على البنزين، وسط مشهد يعيد إلى الذاكرة أزمات متكررة ظن الليبيون أنهم تجاوزوها منذ سنوات.
ولاحظ مراسل لوكالة الأنباء الليبية (وال) تجول اليوم في شوارع العاصمة طوابير تمتد لكيلومترات أمام محطات الوقود في مختلف الأحياء والضواحي المحيطة بطرابلس حيث التقى مواطنين أبلغوه إن الانتظار للحصول على الوقود قد يستغرق بين ثلاث وخمس ساعات، غير أن السؤال الأصعب لدى معظمهم يبقى معلقًا في نهاية كل طابور: هل سيصلهم الدور قبل نفاد الكمية؟
ويقول محمد راشد (28 سنة وأب لـطفل صاحب سيارة أجرة) إن سائقي سيارات الأجرة يقضون النصف الأخير من الليل داخل سيارتهم انتظارا للوقود، حتى يتمكنوا في اليوم التالي من العمل وتأمين لقمة العيش لأسرهم.
وأضاف راشد بمرارة أن الأمور متأزمة ولا يبدو أي حل في الأفق لتجاوزها.
وبينما كانت العاصمة تحاول التقاط أنفاسها بعد أيام من انقطاعات الكهرباء لساعات طويلة وانهيارات متكررة في الشبكة، جاءت أزمة البنزين لتضيف عبئا جديدا إلى حياة المواطن.
ولا تتوقف تداعيات الطوابير عند حدود محطات الوقود، حيث رصد المراسل ازدحامات امتدت إلى الطرق المحيطة بها، وأربكت حركة المرور، ورفعت منسوب التوتر والاحتقان بين المواطنين.
وفي محاولة لمنع الفوضى والاحتكاك، نشرت السلطات الأمنية عناصر مسلحة لتنظيم حركة الدخول والخروج من المحطات، فيما شوهدت سيارات عسكرية في عدد من المواقع.
وأبلغ صالح السنوسي (55 عاما، يقطن مدينة هون)، (وال)، أنه جاء إلى طرابلس قبل ثلاثة أيام لإتمام إجراءات إدارية وينتظر منذ أكثر من أربع ساعات للحصول على البنزين للعودة إلى مدينته التي تبعد عن طرابلس بحوالي 650 كيلومترا.
ويستغرب مراقبون للشأن الليبي كيف تأتي هذه الأزمة المتكررة في بلد نفطي، وفي وقت تشير فيه بيانات وتقارير رسمية إلى ارتفاع فاتورة استيراد المنتجات النفطية، إذ أفادت تقارير منشورة في أغسطس بأن ليبيا استوردت منتجات نفطية بأكثر من مليار دولار خلال يوليو، وسط ضغوط متزايدة على قطاع الكهرباء ونقص الوقود والغاز.
وتقول شركة البريقة لتسويق النفط، في تصريحات سابقة، إن الازدحام يرتبط بارتفاع الطلب ومشكلات في التوريد والتخزين، فيما سبق أن دعت إلى إنشاء مخزونات استراتيجية تكفي لفترات طويلة، لتجنب تحول أي اضطراب في الإمدادات إلى أزمة داخل المدن.
غير أن المواطن، يقول رئيس الأكاديمية الليبية للحوكمة، عبد الرحيم الشيباني، لا يعيش الأزمة في بيانات المؤسسات، وإنما في تفاصيل يومه، حيث طوابير أمام المصارف مع بداية كل شهر، وكهرباء تنقطع لساعات، وشح في وقود الديزل، ومشكلات متكررة في المياه المنزلية، وأخرى تطاول المياه المعبأة من المصانع وارتفاع اسعارها، فضلا عن أزمة الخبز التي دفعت بعض المخابز إلى إغلاق أبوابها. وفي الأسواق، يواصل ارتفاع الأسعار الضغط على الأسر التي تجد نفسها أمام دخل ثابت وتكاليف معيشة متصاعدة.
وإلى جانب ذلك كله، يراقب الليبيون بحذر تحركات سعر صرف الدولار في السوق الموازية، وسط مخاوف من انعكاس أي ارتفاع جديد على أسعار السلع والخدمات، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.
وهنا تتجاوز المسألة، برأي المراقبين، أزمة وقود عابرة أو انقطاعا مؤقتا للكهرباء. فاجتماع هذه الأزمات في وقت واحد يطرح سؤالا أكبر حول قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الخدمات الأساسية، وتأمين الاحتياجات اليومية للمواطن، ومنع الأزمات المتكررة من التحول إلى نمط دائم من الحياة.
وبالفعل فإن الطابور أمام محطة الوقود ليس مجرد صف من السيارات. إنه ساعات عمل ضائعة، وموظف يتأخر عن عمله، وطالب قد يتعذر عليه الوصول إلى مؤسسته التعليمية، وسائق أجرة يستهلك جزءا من يومه بحثا عن البنزين بدلا من العمل، وأسرة تنتظر عودته بما يكفي لتأمين احتياجاتها.
والأخطر أن المواطن بدأ يتعامل مع الأزمات باعتبارها أمرا طبيعيا: يتوقع انقطاع الكهرباء، ويحتسب وقتا للطابور أمام المصرف، ويبحث عن محطة يتوفر فيها الوقود، ويخشى ارتفاع الأسعار وسعر الدولار، ويتساءل عن توفر المياه والخبز.
الأزمة تتحول من حدث استثنائي إلى حالة معيشية مستمرة.
وفي بلد يملك موارد نفطية كبيرة، يصبح السؤال أكثر إلحاحا: كيف يمكن أن تتحول وفرة الموارد إلى عجز متكرر في أبسط الخدمات؟ وكيف يمكن لأزمات الكهرباء والوقود والمياه والسيولة والأسعار أن تتجاور دون أن تتحول إلى إنذار يستدعي مراجعة شاملة لطريقة إدارة الدولة ومواردها؟
لا يحتاج الليبي اليوم إلى مزيد من الوعود، بقدر حاجته إلى أن يرى أثرا مباشرا للإدارة الرشيدة للموارد التي يفترض أن تكون في خدمة حياته.
وبين طابور وآخر، وبين بيت مظلم ومحطة وقود مزدحمة ومخبز مغلق، يظل السؤال الذي يفرض نفسه على الجميع: إلى أين يقودون ليبيا؟
متابعة وتصوير – إسماعيل الكوربو
(وال)