Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

قراءة تحليلية لـ (وال) حول إحاطة تيتيه: أسئلة ليبية حول مسار الأمم المتحدة في ليبيا .

نشر بتاريخ:

  طرابلس 19 أغسطس 2026 (  وال ) - طرحت إحاطة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن أمس الثلاثاء، صورة واسعة للأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية والحقوقية في ليبيا، لكنها أعادت في الوقت نفسه إلى الواجهة سؤالا يتردد على نطاق واسع في الشارع الليبي: ماذا بعد تشخيص الأزمات المتراكمة منذ سنوات، ومتى تنتقل الجهود الدولية من وصف المشكلة إلى معالجة أسبابها؟

 ولاحظ محرر الشؤون الدولية بوكالة الأنباء الليبية (وال)، من خلال قراءته للإحاطة المنشورة على موقع البعثة الرسمي، أن تيتيه استعرضت أزمة الكهرباء، والإنفاق العام، وتراجع الانضباط المالي، وتحويل الوقود المدعوم، والانقسام المؤسسي، والتوترات الأمنية، والتهريب والاتجار بالبشر، والانقسام داخل المؤسسات الأمنية والقضائية، إضافة إلى أوضاع حقوق الإنسان والهجرة والمناخ، مشيرا إلى أن هذه الملفات تمثل بالفعل أبرز أوجه الأزمة الليبية الراهنة، غير أن معظمها ليس جديدا على الليبيين أو على مجلس الأمن.

 وعقب المحرر على إشارة الممثلة الخاصة إلى أن ليبيا تنفق قرابة مليار دولار شهريا على واردات الوقود، رغم امتلاكها أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا، واعتبارها أن استمرار نقص الوقود وتحويل كميات من الوقود المدعوم يمثلان مؤشرا على ضعف الرقابة والمساءلة، وتواصل المخاوف بشأن إدارة الإيرادات النفطية والإنفاق العام، قائلا: إن هذه الأرقام معروفة لدى الليبيين ومثبتة لدى المؤسسة العامة للنفط ومصرف ليبيا المركزي وإن انقطاعات الكهرباء ونقص الوقود والضغط على الشبكة العامة تحولت إلى جزء من الحياة اليومية في ليبيا.

 واستطرد أن الإحاطة، في هذا الجانب، توقفت عند الدعوة إلى التحقيق والمحاسبة وتشديد الرقابة، من دون أن تتضمن، وفق ما ورد فيها، مقترحات محددة أمام مجلس الأمن بشأن تحديد المسؤولين عن هذه الممارسات أو استخدام أدوات العقوبات الدولية المتاحة ضد المتورطين في نهب الموارد العامة أو تهريبها.

 وقال إن الأمر نفسه تكرر في الملف الأمني حيث تحدثت تيتيه عن الاشتباكات في الزاوية وصرمان، والهجمات على منشآت حيوية، والتهريب والاتجار بالبشر، كما أشارت إلى اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في بنغازي، اللواء فوزي المنصوري، وإلى استمرار الانقسام داخل المؤسسات الأمنية، وركزت على أهمية التحقيقات وتوحيد المؤسسات وبناء الثقة بين الأطراف، وهي أهداف، يؤكد المحرر، سبق للبعثة أن طرحتها في إحاطات ومبادرات سابقة دون جدوى أو متابعة تُذكر من مجلس الأمن.

 وعلى الصعيد السياسي، يرى المحرر، أن تيتيه أعادت التأكيد على خارطة الطريق التي تقوم على ثلاثة مسارات: إجراء الانتخابات، والحوار المهيكل، وتوحيد المؤسسات التنفيذية من خلال حكومة موحدة، وأشارت أيضا إلى التقدم الذي أحرزه الاجتماع المعروف بلجنة (4+4)، وإلى انتهاء مسار الحوار المهيكل، مع اقتراب البعثة من مرحلة البحث في توحيد الحكومة والمؤسسات، ملاحظا في هذا الصدد أن جوهر المعضلة السياسية الليبية لا يبدو في نقص المبادرات والمواعيد بقدر ما يرتبط بقدرة الأطراف السياسية على تجاوز مصالحها، وبغياب آليات فعالة لإلزامها بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، ومؤكدا أن تيتيه نفسها أشارت إلى أن خارطة الطريق قد تستغرق وقتا أطول مما كان متوقعا، معتبرة ذلك تكيّفا مع الواقع السياسي، دون أن تعطي أي توصيف لهذا الواقع المهيمن على الحياة السياسية في ليبيا.

 واستطرد المحرر قائلا:"هنا تبرز فجوة بين ما تقوله البعثة وما ينتظره الليبيون. فبعد سنوات من المبادرات والحوارات والرحلات المكوكية إلى عواصم عدة، لا تزال الانتخابات المؤجلة، وتوحيد المؤسسات، وإنهاء المراحل الانتقالية، وإدارة الموارد العامة، ملفات مفتوحة"، في حين، يؤكد المحرر، تتفاقم الضغوط المعيشية ويستمر تراجع قيمة الدينار الليبي، واشتعال الأسعار، وانعدام الخدمات، وسقوط الهياكل النقدية والمالية، وانهيار الوضع الاقتصادي عموما، وتغول السوق السوداء، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وهذه السوق التي تقتات على موارد الليبيين، وتكتفي البعثة بالإشارة إلى تواصل المخاوف من الهدر والفساد وسوء إدارة المال العام.

 ولاحظ المحرر أن الإحاطة لا تخلو من إشارات إلى المساءلة، خصوصا عندما تتحدث عن الوقود المحول عن وجهته، أو الهجمات على المنشآت المدنية، أو الانتهاكات في أماكن الاحتجاز، إلا أنه يرى أن السؤال الذي يظل مطروحا هو حدود قدرة البعثة على الانتقال من الدعوة إلى المساءلة إلى توفير آليات عملية لتحقيقها، خصوصا أن تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن سبق أن تناولت أنماطا مختلفة من الانتهاكات والتهريب والفساد، من دون أن يؤدي ذلك، في حالات كثيرة، إلى تغيير ملموس في سلوك الأطراف المعنية.

 ويوضح المحرر أن الإحاطة تكشف كذلك عن مفارقة أخرى: فالبعثة تبدو حاضرة بقوة في توصيف المشهد وإدارة مسارات الحوار، بينما يظل مجلس الأمن، صاحب أدوات الضغط والعقوبات، أقل حضورا في تحويل هذه التشخيصات إلى إجراءات رادعة. وهو ما يثير تساؤلات لدى المواطن الليبي حول ما إذا كانت المقاربة الدولية الحالية تتجه إلى إدارة الأزمة وإبقائها تحت السيطرة، بدلا من معالجة بنيتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

 ومع ذلك، يفرأ المحرر، أن الإحاطة تؤكد أن المسار السياسي لا يزال قابلا للتقدم، وتعرض جملة من الخطوات التي ترى البعثة أنها يمكن أن تهيئ الظروف للانتخابات وتوحيد المؤسسات. غير أن نجاح هذه المسارات، بحسب المحرر، سيبقى مرتبطا، كما أقرت تيتيه نفسها، بالإرادة السياسية للأطراف الليبية وبالدعم الدولي المنسق وكف الدول المنخرطة في ليبيا على التعامل مع الأزمة الليبية وفق ما يخدم مصالحها على حساب أمن ليبيا واستقرارها ومصالح الشعب الليبي.

 وقال محرر الشؤون الدولية بـ (وال) في ختام قراءته إنه بالنسبة لليبيين الذين تابعوا عشرات الإحاطات الأممية خلال السنوات الماضية دون إحراز أي تقدم في حين تتضاعف معاناتهم ويزداد المشهد تعقيدا، فإن التحدي اليوم لم يعد في معرفة حجم الأزمة التي تولدت عنها أزمات واضحة وخانقة في الكهرباء والطاقة والعملة والأسعار والأمن والخدمات وإدارة المال العام، بل في الإجابة على السؤال الأكثر إلحاحا المتعلق بما إذا كانت المرحلة المقبلة ستنتج إجراءات ملموسة تجاه أسباب هذه الأزمات والمتسببين فيها، أم أن الإحاطات ستواصل تقديم صورة أكثر تفصيلا عن واقع بات يعرفه الليبيون ويعيشونه بمرارة. 

وال..