ليبيا في العتمة.. الإظلام بات أزمة دولة لا عطل شبكة (تقرير) .
نشر بتاريخ:
طرابلس 18 أغسطس 2026 – (وال) - لم تعد الكهرباء في ليبيا مجرد خدمة عامة تتعطل بين حين وآخر، بل تحولت إلى امتحان يومي لجدية الدولة وقدرتها على إدارة أبسط مقومات الحياة. وفي ليلة جديدة ثقيلة، عادت مساحات واسعة من غرب البلاد إلى العتمة، لتجد طرابلس ومدن الساحل والجبل الغربي ومناطق أخرى نفسها أمام إظلام تام، فيما اتسعت دائرة القلق والغضب الشعبي على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط غياب إجابة رسمية توازي حجم الكارثة.
وقال محرر الشؤون المحلية لوكالة الأنباء الليبية (وال) إن المواطن الليبي لم يعد يسأل فقط: "متى تعود الكهرباء؟"، وإنما أصبح يسأل السؤال الأصعب: "لماذا انقطعت أصلاً؟ ومن المسؤول؟ وإلى متى سيظل المواطن الليبي يدفع ثمن أزمة لا تقدم له السلطات المسؤولة تفسيرا واضحا بشأنها؟
ورصد المحرر أن المعلومات المتاحة تشير إلى أن خللا فنيا وقع في محيط محطة الزاوية أدى إلى خروج عدد من محطات الإنتاج عن الخدمة، وتبع ذلك اتساع نطاق الانقطاع وانهيار الجناح الغربي للشبكة. لكن ما حدث لاحقا، ولا سيما تكرار الإظلام خلال فترة قصيرة، يطرح سؤالا أكبر من العطل ذاته: هل أصبحت الشبكة تعمل عند حدود قدرتها، بحيث يكفي خروج محطة أو وحدة توليد واحدة لإسقاط منظومة كاملة؟
وهنا، يرى المحرر، تكمن المشكلة الحقيقية. فالأعطال الفنية تحدث في كل شبكات العالم، لكن الدول التي تمتلك إدارة كفؤة تقدم لمواطنيها تفسيرا فوريا، وتعلن حجم الضرر، وخطة المعالجة، والمدة المتوقعة، والإجراءات الاحتياطية. أما أن تختزل أزمة بهذا الحجم في عبارة تنشرها الشركة العامة للكهرباء على موقعها الرسمي من نوع "الفرق تواصل العمل"، فذلك لا يجيب عن السؤال الذي يطارد الليبيين والليبيات جميعا: ماذا حدث للشبكة؟ ولماذا لم تكن هناك حماية كافية تمنع تحول العطل إلى إظلام شامل؟
وأشار المحرر إلى أن الكهرباء ليست ملفا منفصلا ومن هنا جاء الخبر الأخطر حيث أعلن جهاز النهر الصناعي خروج جميع محطاته عن العمل بعد انقطاع الكهرباء، ما يعني أن أزمة الطاقة سرعان ما تتحول إلى أزمة مياه، ثم إلى أزمة صحية وخدمية واقتصادية وأمنية.
وبالفعل، يؤكد المحرر، المستشفيات والمرضى، الاتصالات، المحال، المصانع، محطات الوقود، والمنازل التي لا تعتمد على الكهرباء للإنارة فحسب بل أيضا لتشغيل المضخات لاستخراج المياه ورفعها إلى الخزانات فوق الأسطح، والمصاعد الكهربائية، كلها تدفع الثمن في بلد يعاني أصلا من ارتفاع درجات الحرارة وتراكم الأزمات.
السؤال السياسي الذي يظل الأكثر إلحاحا: أين السلطة المسؤولة؟
وأجاب المحرر على هذا السؤال بقوله: "هل هو صمت مقصود باعتباره هروبا إلى الأمام، أم أن الأمر يعكس عجزا حقيقيا عن تقديم إجابة؟ وهل أصبحت الحكومة تتعامل مع الانقطاعات بوصفها أحداثا روتينية لا تستحق مخاطبة المواطن بشأنها؟ مؤكدا أن غياب الرواية الرسمية يفتح الباب تلقائيا أمام الشائعات والتفسيرات المتضاربة، ويضاعف فقدان الثقة.
السؤال الآخر الأكثر قسوة: أين ذهبت مليارات الكهرباء؟
ولاحظ المحرر في هذا الصدد أن بيانات مصرف ليبيا المركزي وتقارير ديوان المحاسبة المنشورة حديثا، تشير إلى أن الإنفاق السنوي المرتبط بالشركة العامة للكهرباء ارتفع من نحو 5 مليارات دينار في 2021 إلى 27 مليارا في 2026، بإجمالي يقدر بنحو 90 مليار دينار خلال ست سنوات، مبينا أن هذه الأرقام في حاجة إلى تدقيق رسمي وشفافية في أوجه الإنفاق والعقود والمشروعات والصيانة والتطوير. كما أن المصرف المركزي سبق أن أعلن في 2024 تخصيص 4.9 مليار دينار كميزانية استثنائية لشركة الكهرباء.
واستطرد المحرر متسائلا: "إذا كانت هذه الأموال قد أنفقت فعلا على تطوير الشبكة وزيادة الإنتاج والصيانة، فلماذا لا تزال البلاد عرضة لإظلام شامل؟ وإذا كانت قد ذهبت إلى عقود ومشروعات طويلة الأجل، فلماذا لا تقدم الجهات المسؤولة كشفا واضحا بما تحقق وما لم يتحقق؟ هنا لا يكون السؤال اتهاما، بل يصبح حقا أصيلا للمواطن الليبي.
وقال محرر الشؤون المحلية لـ (وال) في ختام تقريره إن الليبيين لا يحتاجون إلى بيانات مقتضبة بعد كل إظلام، ولا إلى حملات تبرير، ولا إلى تبادل الاتهامات. إنهم يحتاجون إلى كشف حساب: كم أُنفق؟ أين أُنفق؟ ماذا أُنجز؟ لماذا تتكرر الانهيارات؟ وما الخطة التي تمنع تكرارها؟ ... فالظلام الذي عاشه الليبيون ليس ظلام مصابيح فحسب. إنه، في جانب منه، ظلام معلومات ومساءلة ووضوح. وحين تنطفئ الكهرباء وتختفي معها الإجابات، يصبح السؤال الأكبر ليس: متى يعود التيار؟ بل: متى تعود الدولة إلى القيام بواجبها؟.
( وال)