( وال ) : طلب محافظ المصرف المركزي إعفاءه يفتح أسئلة حول مسار السياسة النقدية والإنفاق العام (قراءة )
نشر بتاريخ:
طرابلس 11 أغسطس 2026 م (وال) – أثار طلب محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى إعفاءه من منصبه، في توقيت اقتصادي ومالي حساس، تساؤلات واسعة في الشارع الليبي ، خاصة لدى الأوساط المالية والمصرفية ، حول ابعاده المحتملة على إدارة السياسة النقدية وسوق النقد الأجنبي ومسار ضبط الإنفاق العام، في وقت لم يعلن فيه المحافظ أسباب طلبه بصورة رسمية.
ورأى محرر الشؤون الاقتصادية بوكالة الأنباء الليبية (وال) أن هذه الخطوة تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة موقع محافظ مصرف ليبيا المركزي، وحساسية المنصب الذي يرتبط مباشرة بإدارة السياسة النقدية والاحتياطيات الأجنبية وتنظيم القطاع المصرفي، إلى جانب دوره في توفير السيولة ومتابعة سوق الصرف وتمويل الاعتمادات، وهي ملفات تتداخل بصورة مباشرة مع الوضع المالي والاقتصادي العام للبلاد.
وقال المحرر إنه "بينما لا تتوافر حتى الآن معلومات رسمية تكشف الأسباب التي دفعت عيسى إلى طلب الإعفاء، فإن متابعة نشاطاته وسياسات وملفات المصرف خلال الأشهر الأخيرة تظهر تركيزا واضحا على ثلاثة مسارات مترابطة تتعلق بضبط الإنفاق العام، وتعزيز التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية، ومعالجة الضغوط على سوق النقد الأجنبي وسعر صرف الدينار".
وكان مصرف ليبيا المركزي قد أعلن في مايو الماضي عزمه التنفيذ الفعلي لاتفاق الإنفاق المالي الموحد، مع متابعة الإيرادات النفطية وغير النفطية وأوجه الإنفاق، والتأكيد على مبادئ الإفصاح والشفافية، في خطوة هدفت إلى الحد من التباين في إدارة الموارد العامة وتعزيز الانضباط المالي.
واطلع المحرر على منااشط محافظ مصرف ليبيا المركزي كما نشرها الموقع الرسمي للمصرف مؤخرا، حيث رصد أن عيسى ناقش في الخامس من يوليو، مع اللجنة المالية بمجلس النواب بيانات الإيرادات والإنفاق العام حتى نهاية يونيو، إلى جانب برنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية والاستدامة المالية للدولة، قبل أن تتواصل اللقاءات المتعلقة بتنفيذ اتفاق الإنفاق العام الموحد والحوكمة والشفافية.
وفي التاسع من الشهر نفسه، ناقش المحافظ مع لجنة من المجلس الأعلى للدولة أداء مصرف ليبيا المركزي واستراتيجيته والتحديات التي تواجهه، وتطرق البحث إلى السياسة النقدية ومدى تعاون الجهات التنفيذية والسياسات المالية والتجارية معها.
ويؤكد المحرر، أن هذه النقطة، تكتسب أهمية خاصة، إذ أن استقرار السياسة النقدية لا يعتمد على قرارات المصرف المركزي وحده، بل يتأثر أيضا بمستوى الإنفاق العام وحجم الطلب على النقد الأجنبي والسياسات التجارية والمالية.
وأضاف محرر الشؤون الاقتصادية أنه في موازاة ذلك، كان ملف سوق الصرف يحتل مساحة متقدمة في عمل المصرف ، ففي يوليو، ناقش عيسى مع جهات حكومية تنظيم سوق الصرف الأجنبي ومنح التراخيص لشركات ومكاتب الصرافة، في إطار مساعي الحد من الممارسات غير القانونية وتنظيم التعاملات بالنقد الأجنبي.
وفي السادس والعشرين من يوليو، عقد المحافظ اجتماعا موسعا لمتابعة تطورات سعر صرف الدينار في السوق الموازية، وتوافر النقد الأجنبي، والاعتمادات المستندية والسيولة المصرفية، حيث أعلن المصرف بعدها عن إجراءات لتوفير النقد الأجنبي وضخ السيولة بهدف مواجهة الطلب المتزايد على العملات الأجنبية.
ورأى المحرر أن هذه الوقائع تشير، إلى أن مصرف ليبيا المركزي كان يتحرك في مساحة شديدة الحساسية تتقاطع فيها السياسة النقدية مع السياسة المالية، خصوصا في ظل استمرار اعتماد الاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.
واستخلص المحرر ، من هنا بروز أسئلة تتجاوز شخص المحافظ نفسه تتعلق بمسار الإصلاح النقدي وهل كان يتطلب إجراءات أكثر صرامة لضبط الإنفاق العام؟ وهل كانت هناك اختلافات في الرؤية بشأن حدود دور المصرف المركزي في إدارة التدفقات المالية والإنفاق الحكومي؟ وهل تمكنت السياسات المالية والتجارية من توفير البيئة اللازمة لنجاح السياسة النقدية؟
ولا توجد، حتى الآن، بحسب المحرر، معطيات رسمية تسمح بالجزم بأن أيا من هذه الملفات كان سببا مباشرا في طلب عيسى الإعفاء، كما لا تتوافر معلومات موثوقة تثبت وجود ضغوط من جهة محددة أو خلاف حول قرار بعينه.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع ما أُعلن عن عدم كشف المحافظ أسباب طلب الإعفاء، في إشارة إلى حساسية الظرف الذي جاءت فيه الخطوة، بينما تتجه الأنظار إلى موقف الجهات المعنية وإمكانية استمرار عيسى في منصبه، أو فتح نقاش حول مستقبل إدارة المصرف المركزي.
وفي جميع الأحوال، يعتقد المحرر ، أن القضية لا تتعلق بشخص المحافظ وحده، بل باستمرارية السياسة النقدية واستقرار المؤسسات المالية في مرحلة تحتاج فيها ليبيا إلى قدر أكبر من الانضباط المالي والشفافية والتنسيق بين مؤسسات الدولة.
ويبدو بحسب التفاعلات الرسمية مع هذا الإعلان أن الاختبار المقبل لن يكون فقط في تحديد من يتولى منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي، وإنما في تحديد المسار الذي ستسلكه المؤسسة في ملفات الإنفاق العام وسوق الصرف والنقد الأجنبي، ومدى قدرتها على الحفاظ على استقلالية قراراتها النقدية، بالتوازي مع متطلبات إدارة المال العام.
وقال المحرر في ختام تعليقه إنه في انتظار توضيح رسمي لأسباب طلب الإعفاء، تبقى الأسئلة التي أثارتها الخطوة مفتوحة، فيما تفرض حساسية المرحلة أن تُدار القضية بعيدا عن التكهنات والاتهامات، وبقدر أكبر من الإفصاح الذي يسمح للرأي العام بمعرفة طبيعة الخلاف، إن وُجد، وحدود تأثيره على السياسة النقدية والاستقرار الاقتصادي في ليبيا.
(وال)