Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

قراءة لـ (وال) ليبيا أمام استحقاقات سياسية مزمنة - هل تتجه الأزمة نحو التغيير أم إعادة صياغة المسار؟

نشر بتاريخ:

طرابلس 10 أغسطس 2026 م (وال) - تدخل الأزمة السياسية الليبية مرحلة تبدو أكثر حساسية خلال الأيام المقبلة، مع تزامن تحركات واجتماعات سياسية ودولية قد تسهم في تحديد اتجاه المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة، وتوضح ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستقوم على إعادة ترتيب السلطة التنفيذية القائمة، أم على إدخال تعديلات أوسع على المسار السياسي وقواعده.

وتتجه الأنظار في هذا السياق إلى ثلاثة استحقاقات مترابطة: اجتماعات "المجموعة المصغرة" المرتبطة بالمسار الأممي، ومبادرة بولس ، والتحرك السياسي المرتقب في باريس، إلى جانب جلسة مجلس الأمن والإحاطة الأممية المنتظرة بشأن ليبيا.

وتكتسب هذه الاستحقاقات أهميتها من كونها تأتي في وقت تحاول فيه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا دفع المسار السياسي إلى الأمام، ولا سيما في ما يتعلق بالأساس القانوني والمؤسسي للانتخابات.

وكانت "المجموعة المصغرة" عقدت اجتماعها السادس في تونس في 14 يوليو الماضي، وناقشت آلية للتوافق على رئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إلى جانب استكمال صياغة الاتفاق الخاص بالإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية، قبل الاتفاق على استئناف اجتماعاتها خلال الأسبوع الأول من أغسطس لاستكمال النقاط العالقة.

ويضع ذلك الاستحقاقات المقبلة أمام اختبار سياسي يتجاوز مجرد التوافق على أسماء أو مواقع في السلطة، إلى اختبار قدرة الأطراف الليبية والدولية على إنتاج مسار يقود فعليا إلى إنهاء المرحلة الانتقالية، بدلا من إعادة تنظيمها في صورة جديدة.

وتبرز هنا أهمية جلسة مجلس الأمن والإحاطة الأممية المرتقبة، باعتبارهما مؤشرا على طبيعة الموقف الدولي من المرحلة المقبلة، وما إذا كان الدعم الدولي سيتجه إلى استكمال خارطة الطريق الحالية، أم إلى تعديل بعض عناصرها، أو الدفع نحو ترتيبات سياسية جديدة ، وخاصة مبادرة مسعد بولس.

وكانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، قد أكدت خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن في 18 يونيو 2026 أن العملية السياسية استعادت بعض الزخم، لكنها لا تزال هشة، مشددة على أن استمرار المسار بصيغته الحالية لن يكون كافيا من دون تهيئة الظروف السياسية والأمنية اللازمة لإجراء الانتخابات.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في المرحلة الحالية لا يتعلق فقط بما إذا كانت ليبيا مقبلة على تغيير في الحكومة، وإنما بمن سيصوغ قواعد المرحلة المقبلة، وما الضمانات التي ستمنعها من إعادة إنتاج الأزمات السابقة.

- أزمة حكومات أم أزمة نظام سياسي؟

على مدى سنوات، دخلت ليبيا في دائرة متكررة من الحكومات الانتقالية والترتيبات المؤقتة والتفاهمات السياسية التي لم تتمكن من الوصول إلى تسوية نهائية.

ومع كل أزمة سياسية أو مؤسسية، يعود النقاش إلى تشكيل حكومة جديدة أو تعديل الحكومة القائمة، بينما تظل القضايا الأساسية، وفي مقدمتها توحيد مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقسام، وإجراء انتخابات عامة، رهينة التوافقات السياسية.

وقد أدى استمرار هذا النمط إلى نقل مركز النقاش من سؤال بناء المؤسسات إلى سؤال تغيير شاغليها. وبات تغيير الحكومة، في كثير من الأحيان، يبدو بديلا عن معالجة الأسباب التي أدت إلى تعثرها.

ولا يعني ذلك أن أداء الحكومات المتعاقبة لا يمثل جزءا من المشكلة، لكنه يعني أن تحميل الحكومة وحدها مسؤولية استمرار الأزمة قد يحجب خللا أوسع يتعلق بقواعد إنتاج السلطة نفسها ، فحين تكون المؤسسات منقسمة، والقاعدة الدستورية والانتخابية محل خلاف، وآليات الرقابة والمحاسبة محدودة الفاعلية، يصبح تغيير المسؤولين عاجزا بمفرده عن إنتاج تغيير مستدام.

- تدوير الشخصيات أم تغيير قواعد اللعبة؟

من أبرز الانتقادات التي رافقت إدارة الأزمة الليبية خلال السنوات الماضية الاعتماد المتكرر على الشخصيات والقوى نفسها في إنتاج ترتيبات سياسية جديدة ، فعندما تفشل تسوية، غالبا ما يبدأ البحث عن تسوية أخرى بمشاركة أطراف كانت حاضرة في المراحل السابقة، الأمر الذي عزز لدى قطاع من الليبيين شعورا بأن العملية السياسية تعيد توزيع المواقع أكثر مما تعيد بناء قواعد الدولة.

وفي هذا السياق، انتشر في الخطاب العام تعبير "إعادة تدوير الفشل"، بوصفه تعبيرا عن الإحباط من استمرار بعض الشخصيات والكيانات في المشهد السياسي رغم تعاقب الأزمات.

غير أن اختزال الأزمة في الأشخاص سيكون بدوره تبسيطا للمشكلة ، فاستبدال مسؤول أو تشكيل حكومة جديدة لا يعالج، في حد ذاته، الانقسام المؤسسي، ولا يضع حدا لتداخل المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، ولا يوفر آلية مستقرة لتداول السلطة. وبالتالي، فإن المسألة لا تتعلق فقط بمن يخرج من المشهد ومن يدخل إليه، وإنما بالقواعد التي تحكم عملية الدخول والخروج نفسها.

- مسؤولية ليبية ودور دولي

لا يمكن فصل هذه الإشكالات عن الدور الذي لعبته الأطراف الدولية والإقليمية في الملف الليبي ، فالدول المنخرطة في الأزمة أثرت، بدرجات مختلفة، في مساراتها السياسية والأمنية، بينما اضطلعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بدور ظاهري في رعاية الحوارات والتفاهمات السياسية منذ سنوات.

وقد ساعد الدور الدولي في مراحل مختلفة على منع تصعيد أوسع وفتح قنوات للحوار، إلا أن استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي يظهر في المقابل حدود قدرة الرعاية الدولية وحدها على إنتاج تسوية مستقرة.

وتكمن الإشكالية، وفق هذا المنظور، في أن التدخل الخارجي لا يعمل بمعزل عن الواقع الداخلي؛ فهو يجد قوى محلية تمتلك مصالح وقدرات على التأثير، بينما تستفيد بعض الأطراف الليبية من استمرار الترتيبات الانتقالية وموازين القوى القائمة ، ومن ثم، فإن تحميل الخارج كامل المسؤولية عن الأزمة يتجاهل مسؤولية القوى المحلية، كما أن تحميل الليبيين وحدهم المسؤولية يتجاهل التأثير الدولي والإقليمي الذي رافق الأزمة منذ سنوات.

- ما بعد الحكومة المقبلة

في ضوء ذلك، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة هو: من سيكون رئيس الحكومة المقبل؟ السؤال الأهم هو: ما الذي سيمنع الحكومة المقبلة من أن تصبح مجرد حلقة أخرى في سلسلة الحكومات الانتقالية؟

إن الخروج من الأزمة يتطلب، قبل تغيير الأشخاص، معالجة البيئة التي أعادت إنتاج الأزمة؛ بدءا من توحيد مؤسسات الدولة، مرورا بوضع إطار قانوني وسياسي واضح للانتخابات، وانتهاء بوجود مؤسسات رقابية وقضائية قادرة على ممارسة دورها في حماية المال العام ومحاسبة المسؤولين.

كما يتطلب الأمر تسوية سياسية تضع حدا زمنيا واضحا للمرحلة الانتقالية، بحيث لا تتحول الترتيبات المؤقتة إلى وضع دائم يعيد إنتاج نفسه كلما تعذر التوافق على الانتخابات.

وتحاول الأمم المتحدة، من خلال خارطة الطريق التي تقودها بعثة الدعم في ليبيا، دفع الأطراف نحو استكمال العناصر المطلوبة للانتخابات وإعادة توحيد المؤسسات. إلا أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطا بمدى استعداد القوى الليبية لتقديم تنازلات حقيقية، وبقدرة المجتمع الدولي على توفير دعم سياسي متماسك لا يكتفي بإدارة الأزمة وإنما يدفع نحو إنهائها.

وبينما تقترب الاستحقاقات السياسية المقبلة، تبدو ليبيا أمام اختبار يتجاوز تشكيل حكومة أو تعديل حكومة قائمة. فالاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة الأطراف المحلية والدولية على الانتقال من إدارة المرحلة الانتقالية إلى إنهائها، ومن إعادة توزيع السلطة بين النخب إلى بناء قواعد مستقرة لتداولها.

وفي بلد يمتلك الموارد والإمكانات اللازمة لبناء دولة مستقرة، فإن استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي لا يعود مجرد مشكلة في أداء حكومة بعينها، وإنما يصبح مؤشرا على خلل أعمق في طريقة إنتاج السلطة وإدارة الدولة.

ولذلك، فإن التحدي أمام المرحلة المقبلة لا يكمن فقط في اختيار حكومة جديدة، بل في وضع نهاية لمنطق "الحكومة المؤقتة" بوصفه أسلوبا دائما للحكم، وبناء مسار يجعل تغيير الحكومات نتيجة لآليات سياسية ودستورية مستقرة، لا وسيلة لإدارة أزمة تتجدد كل مرة بأسماء مختلفة.

(وال)