ارتفاع الأسعار بين فجوة الصرف وضعف الإنتاج والرقابة
نشر بتاريخ:
– إعداد: هدى الشيخي
بنغازي 09 أغسطس 2026 (وال) – لم تعد حركة الأسعار في السوق الليبية مرتبطة بعامل واحد يمكن تحديده بسهولة، فالمستهلك يواجه زيادات تتداخل في أسبابها تقلبات سعر الصرف مع ارتفاع كلفة الاستيراد، وضعف الإنتاج المحلي، والمضاربة والتخزين، فضلا عن تفاوت مستوى الرقابة على الأسواق.
وتبرز فجوة سعر الصرف باعتبارها أحد المؤشرات الأكثر وضوحا على حجم التحديات التي تواجه السوق،فقد بلغ سعر بيع الدولار في السوق الرسمية نحو 6.35 دينار في 9 أغسطس الجاري، مقابل نحو 8.71 دينار في السوق الموازية عند ختام تعاملات 6 أغسطس، بفارق يقارب 2.36 دينار للدولار الواحد، بما يعادل نحو 37 بالمئة من السعر الرسمي.
كما سجل الدولار في السوق الموازية ارتفاعا بنحو سبعة قروش خلال أسبوع واحد، وفقا لبيانات منشورة في 06 أغسطس الجاري، وهو ما يعكس استمرار التذبذب في سوق النقد الأجنبي، في وقت تعتمد فيه السوق المحلية بدرجة كبيرة على السلع المستوردة.
-سعر الصرف.. عامل رئيسي في حركة الأسعار
يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي محمد الفائدي، أن أحد الأسباب الرئيسية لأزمة الأسعار يرتبط بطبيعة الاقتصاد الليبي، الذي يعتمد بصورة كبيرة على النفط كمصدر للدخل والعملات الأجنبية، في مقابل محدودية الإنتاج المحلي واعتماد السوق على استيراد نسبة كبيرة من احتياجاتها.
وأوضح الفائدي أن هذا الوضع يجعل المستوى العام للأسعار شديد الحساسية تجاه سعر الصرف، إذ ينعكس تغير قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية على تكلفة السلع والخدمات المستوردة.
وأضاف أن استمرار الفارق بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية، وما يصاحبه من مضاربة وتقلبات، يدفع الموردين والتجار إلى مراعاة مخاطر تغير سعر العملة عند تحديد أسعار السلع.
وأكد أن الاستقرار المؤقت لسعر الصرف لا يعني معالجة المشكلة من جذورها، ما دام النفط يمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية، وما دامت السوق المحلية تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.
-تنويع الاقتصاد لتقليص حساسية السوق
يعتبر الفائدي أن معالجة أزمة الأسعار ترتبط بإعادة النظر في بنية الاقتصاد، من خلال تنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط والواردات.
ويرى أن ذلك يتطلب تطوير قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات، وإطلاق مشروع اقتصادي طويل الأمد قادر على بناء قاعدة إنتاج محلية أكثر اتساعا.
ويشير إلى أن تطوير الإنتاج المحلي يمكن أن يقلل من تأثر السوق بالتغيرات الخارجية، ويحد من انتقال تقلبات سعر الصرف إلى أسعار السلع والخدمات.
-البركي: الدولار لا يفسر كل الزيادات
من جانبه، يرى المستشار بمراقبة اقتصاد بنغازي هشام البركي، أن سعر الصرف يمثل عاملا مؤثرا في ارتفاع الأسعار، لكنه لا يفسر وحده جميع الزيادات التي تشهدها الأسواق.
وأوضح البركي أن بعض أسعار السلع ترتفع سريعا عند ارتفاع الدولار، لكنها لا تنخفض بالسرعة نفسها عند تراجع سعر العملة الأجنبية، معتبرا أن ذلك يرتبط بعوامل أخرى، من بينها المضاربة والتخزين وهوامش الربح وضعف الرقابة على حركة السلع.
ولفت إلى أن بعض الزيادات السعرية تطال منتجات محلية لا ترتبط بصورة مباشرة بسعر الدولار، داعيا إلى متابعة مراحل انتقال السلعة من المنتج أو المورد إلى التاجر ثم المستهلك.
-الرقابة وتنظيم السوق
يركز البركي على دور الدولة في ضبط السوق، معتبرا أن معالجة ارتفاع الأسعار تتطلب منظومة تبدأ بتنظيم عمليات الاستيراد ومتابعة دخول السلع وجودتها، وصولا إلى متابعة كبار التجار وهوامش الربح وحركة السلع.
وأشار إلى أن مسؤولية ضبط السوق تشمل وزارة الاقتصاد، ومصرف ليبيا المركزي، والجمارك، والحرس البلدي، ومراكز الرقابة على الأغذية والأدوية، وغرف التجارة والصناعة.
ودعا إلى متابعة الفواتير وشهادات المنشأ والتحويلات المصرفية ومسارات الاستيراد، بما يساعد على تتبع حركة السلع والحد من الممارسات التي قد تؤدي إلى رفع الأسعار بصورة غير مبررة.
-السلع الأساسية.. تدخل مؤقت وحاجة إلى سياسة مستدامة
أشار البركي إلى أن تدخل الدولة المباشر في توفير بعض السلع أدى، في حالات معينة، إلى خفض أسعارها بصورة ملحوظة، لكنه اعتبر ذلك حلا مؤقتا لا يمكن أن يحل محل سياسة اقتصادية مستدامة.
ودعا إلى وضع سياسات استراتيجية للسلع الأساسية، خصوصا القمح والشعير والدقيق، بما يضمن توفير مخزونات كافية ويحد من تقلبات الأسعار واضطرابات الاستيراد.
كما أكد أهمية التنسيق بين السياسات النقدية والتجارية والمالية، إلى جانب دعم الإنتاج المحلي، خصوصا في الزراعة والصناعة، وتوجيه استخدام النقد الأجنبي نحو النشاط الاقتصادي الحقيقي.
-المستهلك.. طرف في معادلة السوق
يرى البركي أن المستهلك يمثل طرفا في معادلة الأسعار، داعيا إلى رفع الوعي الاقتصادي وترشيد الاستهلاك، والتمييز بين الزيادات المرتبطة بارتفاع التكلفة وتلك الناتجة عن المضاربة أو المبالغة في هوامش الربح.
وتشير المعطيات وآراء الخبراء إلى أن ارتفاع الأسعار في ليبيا يرتبط بمنظومة اقتصادية متشابكة، تبدأ من مصادر النقد الأجنبي وسعر صرف الدينار، وتمر بعمليات الاستيراد والتخزين والتوزيع، ولا تنتهي عند مستوى الرقابة وهوامش الربح.
وبقدر ما يمثل ضبط سعر الصرف عاملا مهما في تهدئة السوق، فإن استقرار الأسعار على المدى الطويل يظل مرتبطا بقدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج المحلي، وتنويع
مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتحسين آليات الرقابة وتنظيم السوق، وفي ظل هذه المعطيات، لا تبدو معالجة ارتفاع الأسعار مرتبطة بإجراء واحد، وإنما بحاجة إلى مسار اقتصادي متكامل يجمع بين السياسات النقدية والتجارية والمالية، ويدعم الإنتاج المحلي ويعزز الرقابة على حركة السلع.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه أمام استمرار الفجوة بين السعر الرسمي والموازي للدولار: إلى أي مدى يمكن للإجراءات المؤقتة أن تحد من ارتفاع الأسعار، وما الذي تحتاجه ليبيا لبناء سوق أكثر استقرارا وأقل تأثرا بتقلبات العملة والواردات؟