تقرير لـ (وال): مياه الشرب في ليبيا تحت المجهر.. ماذا يقول المسح الرسمي عن ( إي كولاي) ؟
نشر بتاريخ:
طرابلس 09 أغسطس 2026 م (وال)- أثار تداول معلومات عن وجود بكتيريا "إي كولاي" في نسبة كبيرة من مياه الشرب في ليبيا موجة من القلق والاستفسارات، خصوصا بعد نشر مصلحة الإحصاء والتعداد الليبية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) التقرير الوطني الموسع لنتائج المسح العنقودي متعدد المؤشرات في ليبيا 2024– 2025، وتداولته العديد من وسائل الإعلام والمنصات الإخبارية.
وقالت المصلحة إن التقرير الذي نشرته في السادس من أغسطس الجاري يمثل مرجعا وطنيا شاملا يوثق أبرز المؤشرات الإحصائية المتعلقة بأوضاع السكان والأسر في ليبيا، ويضع بين أيدي صناع القرار والباحثين والمهتمين قاعدة بيانات حديثة تدعم التخطيط المبني على الأدلة.
ولأن الأرقام المتعلقة بمياه الشرب تمس صحة كل أسرة، فإن التعامل مع الأرقام الواردة في التقرير فيما يتعلق بتلوث المياه، يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، بعيدا عن التهويل وبعيدا كذلك عن التقليل من خطورة النتائج المعلنة.
ويتضمن التقرير تحليلا مفصلا لمجموعة واسعة من المؤشرات في مجالات الصحة، التعليم، تغذية وحماية الطفل، المياه والإصحاح البيئي، وغيرها من القطاعات ذات الأولوية، بما يوفر صورة متكاملة عن الواقع التنموي في ليبيا، ويسهم في متابعة التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وقال محرر الشؤون المحلية لوكالة الأنباء الليبية (وال) الذي اطلع عن الجانب المتعلق بمياه الشرب إن الخلاصة الأولى التي يمكن تأكيدها هي أن المسح رسمي وحقيقي، والنتائج المتعلقة بجودة المياه ليست إشاعة ، خاصة وأن المسح شمل عينة وطنية ممثلة من 17,880 أسرة، وبمعدل استجابة بلغ 99 في المائة، وشمل عموم المناطق الإدارية الليبية.
غير أن المشكلة، برأي المحرر، تبدأ عندما يُختصر أحد مؤشرات المسح في عبارة تقول إن "46.4 في المائة" من مياه الشرب في ليبيا ملوثة ببكتيريا (إي كولاي) مبينا أن هذه الصياغة ليست دقيقة حيث أن المؤشر يتعلق بفحص مياه الشرب عند نقطة الاستخدام لدى الأسر المشمولة بالمسح، وليس بفحص 46.4 في المائة من شبكة مياه ليبيا أو جميع مصادر المياه الموجودة في البلاد.
وأضاف أن هذا التفصيل مهم جدًا. فوجود بكتيريا "إي كولاي" في عينة أخذت من المياه التي يشربها المواطن داخل منزله لا يعني تلقائيًا أن التلوث خرج من محطة المياه أو من المصدر الأصلي. فقد تكون هناك حلقات أخرى في الطريق، مثل الشبكات، وخزانات المنازل، والصهاريج، وأوعية التخزين، أو طريقة التعامل مع المياه.
تشير الدراسات العلمية إلى أن وجود بكتيريا "إي كولاي" في مياه الشرب يُعد مؤشرا على التلوث البرازي الحديث، سواء من مصادر بشرية أو حيوانية، ولذلك تُستخدم بوصفها مؤشرا أساسيا لتقييم سلامة المياه. وقد تصل هذه البكتيريا إلى مصادر المياه نتيجة تسرب مياه الصرف الصحي، أو الجريان السطحي الزراعي، أو الفيضانات، أو تلوث الآبار والخزانات غير المحمية.
وتزداد مخاطر التلوث في الآبار والينابيع القريبة من مصادر الصرف والمزارع، وكذلك في المسطحات المائية المفتوحة غير الخاضعة للمعالجة والتعقيم المنتظم. وفي حال الاشتباه بتلوث المياه، يُنصح بغليها لمدة دقيقة على الأقل قبل استخدامها للشرب أو الطهي أو غسل الأسنان، مع إمكانية استخدام وسائل التعقيم المخصصة للمياه، وإجراء الفحوصات المخبرية الدورية للتأكد من سلامتها.
وتظهر أعراض الإصابة بعد تناول المياه الملوثة، بحسب المختصين، خلال عدة أيام، من أبرزها الإسهال وآلام البطن والغثيان والقيء والجفاف، مع زيادة خطورة المضاعفات لدى الأطفال وكبار السن.
ويمكن الحد من مخاطر التلوث باستخدام أنظمة تنقية وتعقيم مناسبة، مثل التناضح العكسي، والأشعة فوق البنفسجية، وفلاتر الترشيح الفائق، مع الالتزام بالصيانة الدورية لهذه الأنظمة.
ولاحظ المحرر أن نتائج المسح التي تشير في المقابل، إلى أن 38 في المائة فقط من السكان يحصلون على خدمة مياه شرب مصنفة "مدارة بأمان"، وهي فئة لا تعني مجرد امتلاك مصدر مياه محسّن، وإنما تتطلب توافر المياه عند الحاجة، وإمكانية الوصول إليها، وخلوها من التلوث البرازي وفق المؤشر المستخدم في المسح، تكشف أن مشكلة المياه في ليبيا ليست مجرد مشكلة وفرة أو وصول، وإنما تتعلق أيضًا بجودة الخدمة وسلامتها.
واستطرد أن العثور على بكتيريا "إي كولاي" يستوجب التعامل معه بجدية غير أن النتيجة لا تعني أن كل من شرب من هذه المياه سيصاب بالمرض، كما لا تعني أن كل عينة إيجابية تحتوي بالضرورة على نوع ضار من البكتيريا، إنما تعني أن المياه تحتاج إلى مزيد من الفحص والرقابة والتعامل معها وفق معايير السلامة.
وقرأ المحرر في التقرير نسبا مرتفعة في مناطق ومنخفضة في مناطق أخرى ، مؤكدا أن وجود تفاوت جغرافي في نتائج المسح أمر ممكن ومهم، خصوصا أن المسح صُمم أصلا لإظهار الفوارق بين المناطق والحضر والريف ، لكن من الضروري عند نقل كل رقم تحديد اسم المؤشر والجدول ونقطة أخذ العينة التي ينتمي إليها لأن المسح يميز بين المياه عند المصدر والمياه عند نقطة الاستخدام، ولا يجوز الخلط بين المؤشرين.
وتابع أن المعلومة الأساسية التي نقلتها بعض وسائل الإعلام صحيحة، لكنها صيغت بطريقة يمكن أن تكون مضللة للقارئ ، مبينا أن التقرير يحتاج إلى إسناد كل نسبة محلية إلى جدولها ومؤشرها في الوثيقة الأصلية.
وأضاف أن وجود البكتيريا في عينة مياه معبأة مأخوذة عند نقطة الاستخدام لا يكفي وحده لإثبات أن التلوث حدث في مصنع التعبئة ، فالمياه قد تتعرض للتلوث في مراحل لاحقة، أثناء النقل أو التخزين أو فتح العبوة والتعامل معها داخل المنزل ، ولذلك فإن الحكم على سلامة شركات تعبئة المياه يحتاج إلى عينات تؤخذ مباشرة من المنتج قبل توزيعه، ثم مقارنتها بعينات من نقاط البيع والاستخدام.
ورأى المحرر أنه لا داعي للهلع، غير أنه أشار إلى ضرورة أخذ أقصى درجات الحذر، خاصة وأن الخبراء يرون أنه من الأفضل التأكد من نظافة خزانات المياه المنزلية وإغلاقها جيدا، وعدم تخزين المياه في أوعية غير نظيفة، والحرص على مصادر مياه موثوقة، وإجراء الفحص المخبري عند وجود شك في جودة المياه، خصوصا للأسر التي تضم أطفالا أو كبار سن أو أشخاصا أكثر عرضة لمضاعفات الأمراض المعوية.
يُذكر أن آلاف الأسر في ليبيا تعتمد على مياه مستخرجة من آبار سطحية وأخرى ارتوازية في المناطق السكنية التي استحدثت خارج المخططات التقليدية بصورة عشوائية في ظل الفوضى التي عمت البلاد، وفي المناطق الزراعية حيث يتم استخراج المياه وتخزينها في خزانات أرضية قبل نقلها إلى خزانات مثبتة على السطوح. وحتى في التجمعات السكانية التي تصلها مياه النهر الصناعي فإن الأسر لجأت إلى تركيب خزانات فوق أسطح منازلها لضعف شبكة التوزيع.
ودعا محرر الشؤون المحلية في ختام تعقيبه وفي ضوء ما أثارته نتائج المسح، الذي كشف عن فجوة جدية في سلامة مياه الشرب، وأظهر الحاجة إلى فحوص دورية وتحديد مصادر التلوث ومعالجتها، من قلق وتساؤلات واسعة بين المواطنين، الجهات الليبية المختصة، وفي مقدمتها مصلحة الإحصاء والتعداد والجهات المعنية بقطاع المياه والصحة العامة، أن تبادر، وفقا لواجب المسؤولية، إلى تقديم توضيحات دقيقة وشفافة حول طبيعة هذه النتائج، ونطاق العينات التي شملها المسح، ومواقع ومصادر المياه التي خضعت للفحص، وما إذا كانت النتائج تعكس حالة عامة أم مؤشرات في مناطق أو مصادر محددة إلى جانب عقد مؤتمر أو ندوات صحفية يشارك فيها المختصون لشرح النتائج والرد على استفسارات المواطنين ووسائل الإعلام، بما يحد من انتشار المعلومات غير الدقيقة ويحول دون تضخيم المخاوف.
ورأى في هذا السياق أن أهمية هذا التوضيح تفرض نفسها في ظل ما أُعلن مؤخرا عن ضبط واستخدام مبيدات زراعية محظورة في بعض المزارع، وما ترتب عليه من مخاوف إضافية لدى المواطنين بشأن سلامة الغذاء والمياه ، ومن ثم، فإن التواصل الرسمي الواضح والسريع لا يمثل مجرد إجراء إعلامي، بل هو ضرورة لحماية الصحة العامة وطمأنة المواطنين على أساس المعلومات العلمية الموثوقة، مع التأكيد في الوقت ذاته على حق المجتمع في معرفة حقيقة المخاطر وسبل الوقاية منها.
(وال)