Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

محرر الشؤون المحلية بـ (وال) : أزمة الكهرباء تستدعي رؤية وطنية شاملة لإنهاء المعاناة

نشر بتاريخ:

 طرابلس 06 أغسطس 2026 (وال) - في بلد يطفو على أكبر إحتياطي للنفط في أفريقيا وأحد أكبرالاحتياطيات العالمية، يقضي ملايين الليبيين أيامهم ولياليهم في مواجهة انقطاع الكهرباء، بينما تتسع دائرة الأسئلة وتضيق دائرة الإجابات.

وبالفعل لم تعد أزمة الكهرباء في ليبيا مجرد خلل فني أو مشكلة موسمية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، بل تحولت إلى أزمة معيشية وإنسانية تمس تفاصيل الحياة اليومية لملايين المواطنين وتشل تحركاتهم وتقض مضاجعهم حيث تنعكس آثارها على مختلف القطاعات، من الصحة والتعليم إلى المياه والاتصالات والاقتصاد، في بلد لا يتعدى عدد سكانه سبعة ملايين نسمة.

وقال محرر الشؤون المحلية لوكالة الأنباء الليبية (وال) إن حالة من التفاؤل الحذر سادت خلال العامين الماضيين بعد تحسن نسبي في استقرار التيار الكهربائي مقارنة بسنوات سابقة، إلا أن هذا التحسن لم يدم طويلا إذ عادت الأزمة بقوة خلال الفترة الأخيرة، لتشهد مدن وقرى ليبية ساعات طويلة من انقطاع التيار، وصلت في بعض المناطق إلى الإظلام التام، بينما لجأت الشركة العامة للكهرباء إلى ما يعرف بسياسة "تخفيف الأحمال"، التي تقوم على فصل التيار بالتناوب بين المناطق، في محاولة لمواجهة العجز في إنتاج الطاقة.

وأضاف المحرر رغم أن هذه الإجراءات تُقدَّم باعتبارها حلولا مؤقتة للحفاظ على استقرار الشبكة، فإنها لم تعد تقنع المواطن الذي يتساءل عن الأسباب الحقيقية لاستمرار الأزمة بعد سنوات من الوعود، وعن مصير المليارات التي أنفقت على قطاع الكهرباء، ولماذا لا تزال البلاد عاجزة عن توفير خدمة أساسية تُعد من أبسط مقومات الحياة.

ومع تفاقم الأزمة، أكد المحرر، أن الليبيين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى البحث عن بدائل. فاتجهت آلاف الأسر إلى شراء مولدات كهربائية، صغيرة وكبيرة، مستوردة من الخارج ومعظمها من الصين، في محاولة للتخفيف من آثار الانقطاع المتكرر. غير أن هذا الحل فرض أعباء مالية إضافية على الأسر، التي استنزفت جزءا كبيرا من مدخراتها لتوفير مصدر مؤقت للطاقة.

وأشار في هذا الصدد إلى أن المولدات لم تكن حلا آمنا أو مستداما، فقد ارتبط استخدامها بعدد من المخاطر، سواء بسبب الانبعاثات الملوثة للهواء، أو الضوضاء التي تزعج الأحياء السكنية وتضاعف نسب التوتر، أو الحوادث الناجمة عن سوء الاستخدام، والتي سجلت في بعض الحالات وفيات وإصابات نتيجة الاختناق أو الحرائق أو الصعق الكهربائي.

ورصد محرر الشؤون المحلية أن معاناة المواطنين لم تقف عند حدود شراء المولدات، إذ اصطدموا بأزمة أخرى لا تقل تعقيدا، وهي صعوبة الحصول على وقود الديزل اللازم لتشغيلها. ففي الوقت الذي يبلغ فيه السعر الرسمي للديزل نحو 150 درهما لليتر، تجاوز سعره في السوق الموازية سبعة دنانير لليتر، ما جعل تشغيل المولدات مكلفا إلى درجة تفوق قدرة كثير من الأسر، وحوّل استثمارها إلى عبء جديد بدل أن يكون وسيلة للتخفيف من الأزمة.

واستطرد أن تداعيات انقطاع الكهرباء تجاوز مجرد غياب الإضاءة أو توقف أجهزة التكييف، لتصل إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية، وهي المياه. فآلاف المنازل، خصوصا في الأحياء الجديدة والمناطق التي توسعت عمرانيا بصورة عشوائية خارج المخططات التقليدية، إضافة إلى المزارع والتجمعات السكنية الريفية، تعتمد على آبار سطحية وأخرى ارتوازية لتوفير المياه.

وتحتاج هذه الآبار إلى مضخات كهربائية لاستخراج المياه من باطن الأرض، كما تحتاج المنازل إلى مضخات أخرى لرفع المياه إلى الخزانات المثبتة فوق الأسطح. وعند انقطاع الكهرباء تتوقف هذه المنظومة بالكامل، فلا مياه للشرب أو الطهي أو النظافة، ما يضاعف من معاناة الأسر، خاصة في فصل الصيف مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة.

ونبه المحرر إلى ان الآثار لا تقتصر على الجوانب الخدمية، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والنفسي. فالأطفال يجدون أنفسهم عاجزين عن النوم أو المذاكرة في ظل الحر وانقطاع الإنارة، وكبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة والمرضى يواجهون ظروفا صحية قاسية، بينما تعيش الأسر حالة من القلق المستمر بسبب عدم معرفة موعد عودة التيار أو مدة الانقطاع، وهو ما ينعكس على الاستقرار النفسي وجودة الحياة.

كما تتأثر الأنشطة الاقتصادية بصورة مباشرة، إذ تتعرض المحال التجارية والورش والمخابز والمطاعم لخسائر متكررة نتيجة توقف العمل أو تلف المواد الغذائية، في حين تتحمل المؤسسات الصغيرة تكاليف إضافية لتشغيل المولدات، الأمر الذي ينعكس في النهاية على الأسعار وقدرة المواطنين الشرائية.

وأمام هذا الواقع، رصد المحرر، من خلال متابعة تفاعل المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي، تزايد تساؤلات الليبيين حول مستقبل قطاع الكهرباء، وأسباب استمرار الأزمة رغم الإمكانات المالية والطبيعية التي تتمتع بها البلاد. ويطالب كثيرون بإجابات واضحة وشفافة حول أسباب العجز، وخطط المعالجة، وحجم المشروعات المنجزة والمتعثرة، والجدول الزمني الواقعي لإنهاء هذه الأزمة التي باتت تمس كل بيت ليبي.

وأكد في ذات الصدد أن أزمة الكهرباء باتت اليوم أكثر من مجرد خدمة عامة؛ فهي عصب الحياة الحديثة، وغيابها يعني تعطل المياه والاتصالات والخدمات الصحية والتعليمية والاقتصادية. ولذلك، فإن معالجة هذه الأزمة لم تعد خيارا يمكن تأجيله، بل ضرورة وطنية تتطلب إدارة فعالة، وتخطيطا طويل الأمد، واستثمارا حقيقيا في البنية التحتية، مع تعزيز الشفافية في عرض الحقائق أمام المواطنين.

وأكد المحرر أن أزمة الكهرباء في ليبيا تجاوزت منذ سنوات حدود المشكلة الفنية، وأصبحت قضية تنموية تمس الأمن المعيشي للمواطن، وتؤثر في جودة الحياة والخدمات الأساسية. وفي ظل الإمكانات الطبيعية والاقتصادية التي تمتلكها البلاد، يبقى إنهاء هذه الأزمة أحد أبرز التحديات التي تنتظر حلولا عملية ومستدامة، تعيد للمواطن ثقته في قدرة مؤسسات الدولة على توفير أبسط الحقوق الأساسية، مؤكدا أن المواطن الليبي لا يبحث اليوم عن تفسير تقني معقد لأزمة الكهرباء بقدر ما يبحث عن موعد يستطيع فيه أن يشغل مصباح منزله، ويضخ الماء إلى خزانه، ويطمئن إلى أن أبناءه سينامون ليلتهم دون حر خانق أو ظلام دامس.

ودعا محرر الشؤون المحلية لـ (وال) في ختام تعليقه السلطات الحكومية لتجاوز هذه الأزمة المزمنة، الخروج من دائرة الحلول المؤقتة أو المعالجات الموسمية، وتبني رؤية وطنية شاملة تضع تحسين الخدمات الأساسية في صدارة الأولويات، عبر تعبئة الإمكانات والموارد، وتوجيه الخطط والبرامج والاستراتيجيات نحو تنفيذ مشروعات تنموية حقيقية، وإقامة بنية تحتية قادرة على تلبية احتياجات المواطنين، في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والأمن الغذائي، باعتبارها ركائز أساسية لأي تنمية مستدامة، ومؤشرا على نجاح مؤسسات الدولة في أداء مسؤولياتها وتحسين جودة الحياة.

 وبين هذا الانتظار الطويل، تبقى الأسئلة أكبر من الإجابات، وتبقى معاناة الناس هي الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى بيان رسمي لإثباتها. فإلى متى تستمر هذه المعاناة في بلد يمتلك من الثروات والإمكانات ما يؤهله لتوفير حياة كريمة ومستقرة لمواطنيه؟ سؤال ينتظر إجابة لا في البيانات والتصريحات، بل في واقع يلمسه الناس من خلال استقرار الكهرباء وعودة الخدمات الأساسية إلى طبيعتها. (وال)