محرر الشؤون المحلية بـ (وال) : لا للمبيدات المحظورة - الغذاء الآمن حق أساسي لكل الليبيين .
نشر بتاريخ:
وقال محرر الشؤون المحلية بوكالة الأنباء الليبية (وال) إن القلق لا يزال سيد الموقف في الشارع الليبي بعد أسبوع من إعلان مكتب النائب العام عن حبس متهمين على خلفية قضية المبيدات المحظورة والمسرطنة المستخدمة في قطاع الزراعة ، لافتا إلى أن الانباء المتداولة خلال الأيام الماضية حول اكتشاف مبيدات زراعية محظورة في بعض الخضروات والفواكه المتداولة في الأسواق الليبية ، لم تكن مجرد مادة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى قضية رأي عام أثارت مخاوف واسعة لدى المواطنين، خصوصا بعد صدور بيانات وتحقيقات رسمية كشفت عن وجود تجاوزات خطيرة في تداول واستخدام بعض المبيدات الزراعية.
ولاحظ محرر الشؤون المحلية بوكالة الأنباء الليبية (وال) أن هذه القضية أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول واقع الأمن الغذائي في ليبيا، ومدى فعالية أجهزة الرقابة في ظل الانقسام السياسي وانتشار الفساد، وقدرة مؤسسات الدولة الهشة على حماية صحة المواطنين وضمان سلامة ما يصل إلى موائدهم يوميا.
ورصد المحرر أن المعلومات الأولية التي أعلنتها الجهات المختصة تشير إلى أن تحاليل مخبرية أجريت على عينات من الخضروات والفواكه أظهرت وجود متبقيات لمبيدات محظورة أو مستخدمة بنسب تتجاوز الحدود المسموح بها محليا ودوليا، الأمر الذي دفع النيابة العامة إلى فتح تحقيقات واسعة وملاحقة المتورطين في استيراد أو تداول هذه المواد.
وتأتي هذه القضية في سياق حملة تحقيقات واسعة يقودها مكتب النائب العام بشأن تداول واستخدام مبيدات زراعية محظورة ومنتهية الصلاحية في عدد من المناطق الليبية، بعد أن كشفت تقارير فنية عن تلوث نسبة كبيرة من المحاصيل الزراعية المعروضة في الأسواق بمتبقيات مبيدات محظورة ومصنفة على أنها مسرطنة.
وفي هذا الصدد أمر مكتب النائب العام بحبس عدد من المسؤولين في المركز الوطني للوقاية والحجر الزراعي ومكتب الإرشاد الزراعي بطرابلس، على خلفية اتهامات بالإهمال والقصور في تقييم ومراقبة المبيدات المستوردة، كما شملت الإجراءات مهندسين زراعيين اتهموا باستخدام مبيدات محظورة داخل المزارع.
وامتدت الحملة لتشمل تجار المبيدات، حيث أُوقف العديد منهم وأُغلقت عشرات المحال في مناطق السواني والخمس، مع تسجيل مخالفات مماثلة في الزاوية والبيضاء، في إطار جهود تستهدف الحد من تداول المبيدات غير المطابقة للمواصفات.
وأكد المحرر أن التقرير الفني المرفوع إلى النيابة العامة وأفاد بأن نحو 65% من عينات المحاصيل الخضرية التي خضعت للفحص في طرابلس وبنغازي ومصراتة احتوت على متبقيات مبيدات محظورة، يبعث عن القلق وقد يُجيب عن الأسئلة القديمة الجديدة في الشارع الليبي عن أسباب ارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان في ليبيا مقارنة بعدد السكان.
وأشار المحرر إلى أنه بالرغم من خطورة النتائج المعلنة، فإن القضية تحتاج إلى معالجة علمية وهادئة بعيدا عن التهويل أو إثارة الذعر ، مبينا أن وجود متبقيات مبيدات في بعض العينات لا يعني بالضرورة أن جميع المنتجات الزراعية في ليبيا ملوثة أو غير صالحة للاستهلاك، كما أن التأثيرات الصحية الخطيرة لبعض المواد ترتبط غالبا بالتعرض المستمر لها لفترات طويلة وليس بالاستهلاك العرضي أو المحدود.
وأضاف أن ما كشفته التحقيقات يسلط الضوء على مشكلة أعمق تتعلق بضعف منظومة الرقابة الزراعية والصحية في البلاد ، فالمبيدات المحظورة لا تصل إلى الحقول والأسواق بصورة عفوية، وإنما تمر عبر سلسلة من المراحل تبدأ بالاستيراد والتخزين والتوزيع وصولا إلى الاستخدام الزراعي ما يعني أن الخلل لا يقتصر على أفراد أو مزارعين بعينهم، بل يمتد إلى منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة وإصلاح.
واستطرد محرر الشؤون المحلية أن أخطر ما في القضية هو تأثيرها على ثقة المواطن ، فحين يشعر المستهلك بأن الغذاء الذي يشتريه قد يكون مصدر خطر على صحته وصحة أسرته، تتزعزع الثقة في الأسواق وفي الجهات الرقابية على حد سواء ، كما قد يؤدي انتشار الخوف إلى عزوف المواطنين عن شراء المنتجات المحلية، وهو ما يلحق أضرارا كبيرة بالمزارعين الملتزمين بالقوانين والضوابط الزراعية.
وأهاب في هذا الصدد بالجهات المختصة الصحية والزراعية أن توفر للمواطنين بيانات تفصيلية وواضحة تحدد ما هي المنتجات الأكثر تأثرا، ومن أي مناطق جاءت العينات، وما الإجراءات المتخذة لسحب المنتجات الملوثة من الأسواق ، مؤكدا أن هذا الفراغ في التواصل الرسمي ساهم في انتشار الخوف والشائعات.
وقدًر أن معالجة الأزمة لا تبدأ فقط بملاحقة المخالفين، بل بإصلاح شامل لمنظومة الأمن الغذائي. ويشمل ذلك متابعة أصحاب الأراضي الزراعية في ليبيا الذين يقومون في معظمهم بتأجير أرضهم إلى مزارعين وافدين ولا يتابعون بالتالي طرق الزراعة ولا المبيدات المستخدمة من قبلهم، وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية لمنع دخول المبيدات المحظورة، وتحديث التشريعات المنظمة لتداول المبيدات الزراعية، وإلزام الموردين والموزعين بالحصول على التراخيص اللازمة، إلى جانب تكثيف حملات التفتيش على المخازن والمحال الزراعية.
ودعا المحرر إلى إنشاء برنامج وطني دائم لمراقبة سلامة المنتجات الزراعية، يعتمد على أخذ عينات دورية من الأسواق والمزارع وإخضاعها للفحص المخبري، مع نشر النتائج للرأي العام بصورة منتظمة وشفافة ، مؤكدا أن المعلومة الدقيقة هي السلاح الأقوى في مواجهة الشائعات وحالة الهلع التي ترافق مثل هذه الأزمات.
وفي هذا السياق، يؤكد المحرر، أن استعادة الطمأنينة لدى المواطنين تتطلب خطابا رسميا واضحا وصريحا ، فالمواطن لا يريد فقط معرفة أن هناك مشكلة، بل يريد أيضا أن يعرف حجمها الحقيقي، وما هي المنتجات المتأثرة، وما الإجراءات المتخذة لحمايته ، كما أن الإعلان عن نتائج التحاليل وخطط المعالجة بصورة دورية من شأنه أن يعزز الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
كما دعا إلى ضرورة إطلاق حملات توعية للمزارعين الليبيين عبر وسائل الإعلام حول الاستخدام الآمن للمبيدات واحترام فترات الأمان قبل جني المحاصيل، وتسيير حملات تفتيش لمهندسين زراعيين ومختصين لزيارة المزارع وأخذ عينات منها قبل التسويق، إضافة إلى تشجيع الممارسات الزراعية الحديثة التي تقلل الاعتماد على المواد الكيميائية الخطرة.
واستطرد أن قضية المبيدات المحظورة أماطت اللثام عن تحدٍّ حقيقي ومشاكل عميقة تواجه قطاع الأمن الغذائي في ليبيا، لكنها في الوقت نفسه تمثل فرصة لتفعيل المعاهد الزراعية ودعم المزارعين الشبان ليحلوا محل المزارعين الوافدين الذين لا يهمهم لا الإضرار بالأراضي الزراعية والبيئة ولا بالمستهلك الليبي إلى جانب إعادة بناء منظومة رقابية أكثر كفاءة وشفافية مؤكدا أن المطلوب اليوم ليس فقط معاقبة المخالفين، بل معالجة الأسباب التي سمحت بحدوث هذه التجاوزات من الأساس.
وخلص محرر الشؤون المحلية بـ (وال) إلى أنه بين المخاوف المشروعة للمواطنين والواجبات الملقاة على عاتق مؤسسات الدولة والمسؤولين، تبقى الحقيقة الأهم أن الغذاء الآمن حق أساسي لكل الليبيين، وأن استعادة الثقة لن تتحقق إلا عبر الشفافية والمحاسبة والرقابة المستمرة، بما يضمن حماية صحة المواطن وصون الأمن الغذائي الوطني.
( وال)