Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

انقطاع الكهرباء يعيد الليبيين إلى دوامة المعاناة

نشر بتاريخ:

 طرابلس 16 يوليو 2026 م (وال) - عادت أزمة انقطاع الكهرباء لتفرض نفسها مجددا على مختلف المدن والمناطق الليبية، بعد أشهر من تحسن نسبي منح المواطنين أملا بإمكانية تجاوز واحدة من أكثر الأزمات إيلاما في حياتهم اليومية. غير أن عودة طرح الأحمال في ذروة فصل الصيف، وما يصاحبها من ارتفاع درجات الحرارة، أعادت إلى الواجهة مشاهد اعتاداها الليبيون على مدى سنوات: ظلام طويل، وتعطل الخدمات، وتزايد الاعتماد على المولدات الخاصة، وتلوث البيئة وارتفاع تكاليف المعيشة، في بلد يمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في أفريقيا.

ولم يعد انقطاع الكهرباء مجرد خلل فني أو أزمة موسمية، بل تحول إلى قضية تمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، بدءا من توفير مياه الشرب، مرورا بحفظ الأغذية والأدوية، وانتهاءً بقدرة الأسر على ممارسة أبسط متطلبات الحياة. فمع كل ساعة انقطاع، تتضاعف معاناة العائلات، وتتراجع جودة الخدمات، بينما يزداد الشعور بالإحباط لدى المواطنين الذين يتساءلون عن أسباب استمرار الأزمة رغم الإمكانات المالية الكبيرة التي تمتلكها البلاد ومليارات الدولارات التي أنفقت على هذا القطاع الحيوي.

ويرى مختصون أن اختزال الأزمة في نقص الوقود لا يعكس الصورة الكاملة. وفي هذا السياق، يشير الباحث في مجال النفط أحمد المسلاتي إلى أن مساهمة الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء ارتفعت من 22% عام 2000 إلى نحو 74% عام 2023، وهو تحول أسهم في تحقيق وفورات مالية تُقدّر بنحو 15 مليار دولار خلال الفترة بين عامي 2015 و2023، بحسب قوله.

 ويؤكد أن الوقود والغاز يضمنان تشغيل محطات التوليد، لكنهما لا يكفيان لضمان استقرار الإمدادات الكهربائية، في ظل الحاجة إلى محطات حديثة، وشبكات نقل وتوزيع متطورة، وبرامج صيانة دورية، واستثمارات مستمرة تواكب النمو المتزايد في الطلب على الكهرباء.

وبحسب هذا الطرح، فإن جذور الأزمة تكمن في تراكم سنوات طويلة من ضعف الاستثمار في البنية التحتية لقطاع الكهرباء، وتأخر تنفيذ مشاريع التوسعة والتطوير، الأمر الذي جعل الشبكة الكهربائية عاجزة عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، خاصة خلال أشهر الصيف التي تشهد ذروة الاستهلاك.

وفي المقابل، يدفع المواطن الليبي الثمن الأكبر لهذه الأزمة. فقد أدى تكرار انقطاع التيار الكهربائي إلى زيادة الاعتماد على المولدات المنزلية، التي أصبحت الوسيلة الوحيدة لتشغيل الأجهزة الأساسية، لكنها في الوقت نفسه فرضت أعباء مالية إضافية على الأسر، خصوصا مع الارتفاع غير المسبوق في أسعار وقود الديزل في السوق الموازية. فقد بلغ سعر اللتر الواحد ما بين أربعة وخمسة دنانير، مقارنة بالسعر الرسمي البالغ نحو 150 درهما (0.150 دينار) للتر، وهو فارق يعكس حجم الاختلالات في سوق الوقود، ويضاعف من كلفة تشغيل المولدات لساعات طويلة يوميا.

هذا الواقع جعل كثيرا من الأسر عاجزة عن تحمل نفقات شراء الوقود، الأمر الذي اضطر بعضها إلى الاستغناء عن تشغيل المولدات، والاكتفاء بالتأقلم مع الظلام والحرارة المرتفعة، فيما لجأت أسر أخرى إلى تقنين استهلاك الكهرباء المنتجة محليا، بحيث تقتصر على تشغيل الثلاجات أو بعض وسائل الإنارة في أضيق الحدود.

وتنعكس الأزمة كذلك على قطاعات اقتصادية وخدمية عديدة، إذ تواجه المحال التجارية والورش والمخابز والعيادات الطبية صعوبات متزايدة في مواصلة نشاطها، نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل، وتعطل المعدات، وخسارة السلع القابلة للتلف. كما تؤثر الانقطاعات المتكررة على العملية التعليمية في ذروة امتحانات الشهادة الثانوية والعمل عن بعد، فضلا عن تعطيل خدمات الاتصالات والإنترنت في بعض المناطق.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تحولت معاناة المواطنين إلى يوميات توثق حجم الأزمة. فقد لقيت تدوينة لأحد المواطنين، حملت عنوان "القردل والظلام هو الحاكم الحقيقي"، تفاعلًا واسعا، بعدما وصف فيها اضطراره للاستحمام باستخدام "القردل" لليوم الثاني بسبب انقطاع الكهرباء والمياه، معتبرا أن ما تعيشه البلاد ليس نتيجة الفقر، بل نتيجة سوء إدارة الثروة، وهدر الموارد، وتراجع الأولويات التنموية. وتعكس مثل هذه الشهادات حجم الإحباط الذي يعيشه المواطن الليبي، الذي يرى أن الحصول على الكهرباء والمياه أصبح تحديا يوميا، رغم الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تتمتع بها البلاد.

 ويؤكد مراقبون أن معالجة الأزمة تتطلب رؤية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة، من خلال تسريع تنفيذ مشاريع إنتاج الكهرباء، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وتوفير التمويل اللازم لأعمال الصيانة، إلى جانب تحسين إدارة القطاع، وتعزيز الشفافية والرقابة على الإنفاق، بما يضمن استدامة الخدمات ويحد من الهدر.

وتبقى أزمة الكهرباء في ليبيا – بحسب متابعين للشأن الليبي، مرآة لأزمة أعمق تتعلق بالإدارة والتخطيط والاستثمار في المرافق الحيوية. فالمواطن لا يعنيه الجدل حول أسباب الانقطاع بقدر ما يعنيه أن يجد الكهرباء متوفرة بصورة مستقرة، وأن يتمكن من العيش بكرامة في وطن يمتلك من الموارد ما يؤهله لتوفير خدمات أساسية تليق بمواطنيه.

 وبين الأرقام التي تتحدث عن وفورات مالية وإنجازات في قطاع الوقود، والواقع الذي يعيشه الليبيون تحت وطأة الظلام وارتفاع تكاليف المعيشة، تبقى الحاجة ملحة إلى حلول جذرية تضع حدا لأزمة طال أمدها، حتى لا يبقى انقطاع الكهرباء عنوانا دائمًا لمعاناة تتجدد مع كل صيف وكل شتاء. (وال)

متابعة – ساسية اعميد