ندوة في طرابلس تبحث واقع صحافة حقوق الإنسان وتدعو إلى تعزيز حرية الإعلام في ليبيا
نشر بتاريخ:
-متابعة وتصوير: ساسية اعميد - أميرة التومي - زهرة الفيتوري
طرابلس 16 يونيو 2026 (الأنباء الليبية) - نظم المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان، بالتعاون مع الهيئة العامة لرصد المحتوى الإعلامي، اليوم الثلاثاء، بمدينة طرابلس، ندوة حوارية بعنوان "صحافة حقوق الإنسان في ليبيا" بمشاركة عدد من الإعلاميين والحقوقيين والأكاديميين والمهتمين بالشأن العام، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز دور الإعلام في دعم منظومة حقوق الإنسان وترسيخ مبادئ العدالة وسيادة القانون وبناء دولة المؤسسات.
وتأتي الندوة في ظل التحديات السياسية والإنسانية التي تشهدها ليبيا، وما تفرضه من ضرورة إعادة تأكيد الدور الحيوي للإعلام في الدفاع عن الحقوق والحريات، وتسليط الضوء على الانتهاكات، وتعزيز قيم المساءلة والشفافية، بما يسهم في بناء بيئة إعلامية مهنية وآمنة تدعم الاستقرار والسلم الأهلي.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد رئيس مكتب الخبراء بالهيئة العامة لرصد المحتوى الإعلامي، رضا فحيل البوم، أن ليبيا تمر بمرحلة مفصلية تتطلب تضافر الجهود الوطنية من أجل ترسيخ سيادة القانون واحترام كرامة الإنسان، مشيرا إلى أن الكلمة الصحفية لم تعد مجرد أداة لنقل الأخبار، بل أصبحت وسيلة للدفاع عن الحقوق وإيصال أصوات الفئات المهمشة وغير القادرة على التعبير عن قضاياها.
وأوضح أن الندوة تستهدف تعزيز العلاقة بين حرية التعبير وحماية حقوق الإنسان، وترسيخ التعاون بين المؤسسات الإعلامية والحقوقية من أجل دعم إعلام مهني ومسؤول، لافتا إلى أن صحافة حقوق الإنسان تمثل رسالة أخلاقية ومهنية تسعى إلى كشف الانتهاكات، ونشر ثقافة التسامح، وتعزيز المساءلة ومكافحة الإفلات من العقاب، مع الالتزام بمعايير الدقة والموضوعية.
من جانبه، شدد رئيس الهيئة العامة لرصد المحتوى الإعلامي جلال عثمان، على أن صحافة حقوق الإنسان تمثل جوهر الرسالة الأخلاقية للإعلام، باعتبار الإنسان محور العملية الإعلامية وغاية رسالتها الأساسية.
وأكد أن مسؤولية المؤسسات الإعلامية لا تقتصر على رصد التجاوزات المهنية أو مواجهة خطاب الكراهية والتضليل، بل تمتد إلى دعم جودة الإعلام وتعزيز التزامه بالمعايير المهنية والأخلاقية، بما يسهم في نشر قيم العدالة والتسامح، وترسيخ الوعي الحقوقي لدى المواطنين وصناع القرار.
وأشار عثمان إلى أهمية الدور الذي اضطلعت به مؤسسات المجتمع المدني المعنية بالإعلام خلال السنوات الماضية في الدفاع عن حرية الصحافة وحقوق الصحفيين، من خلال توثيق واقع البيئة الإعلامية وإصدار التقارير والمؤشرات المتخصصة، ورصد الانتهاكات التي يتعرض لها العاملون في القطاع الإعلامي، مؤكدا أن هذا الجهد التراكمي أسهم في تحويل الصحافة إلى أداة فاعلة في كشف الحقائق والدفع نحو الإصلاح وحماية الحريات العامة.
بدوره، استعرض المكلف بتسيير أعمال المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان عبد المولى انتيشة، جملة التحديات الحقوقية والإنسانية التي تواجهها ليبيا، موضحا أن سنوات الصراع والتحولات السياسية أفرزت واقعا معقدا انعكس في استمرار بعض الانتهاكات المتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية، وقضايا الاحتجاز التعسفي والمفقودين والنزوح والهجرة غير الشرعية وصعوبات الوصول إلى العدالة.
وأكد أن الإعلام الليبي وجد نفسه خلال هذه المرحلة أمام اختبار حقيقي بين واجب نقل الحقيقة، وضغوط الاستقطاب السياسي، وخطابات الكراهية، والتحريض، وضعف الوصول إلى المعلومات، مشددا على ضرورة الانتقال من إعلام يكتفي بوصف الأزمات إلى إعلام يسهم في معالجتها، ومن خطاب يقوم على الإثارة والاستقطاب إلى خطاب مهني يستند إلى الحقائق والمعايير الحقوقية.
كما أكد أن حرية الرأي والتعبير، كما نصت عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ترتبط بمسؤولية مهنية وأخلاقية ترفض التحريض والتمييز وتحترم الكرامة الإنسانية، داعيا إلى مواءمة التشريعات الوطنية مع الالتزامات الدولية، وتوفير بيئة قانونية ومؤسسية تكفل حماية حرية الصحافة واستقلاليتها، وضمان أمن الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي، وتيسير حق المواطنين والصحفيين في الوصول إلى المعلومات.
وناقش المشاركون خلال أعمال الندوة واقع صحافة حقوق الإنسان في ليبيا، والتحديات التي تواجه العاملين في المجال الإعلامي، والسبل الكفيلة بتعزيز المهنية الإعلامية وتطوير آليات الرصد والتوثيق، إلى جانب أهمية بناء شراكات فاعلة بين المؤسسات الإعلامية والحقوقية والأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني.
وفي ختام أعمالها، أصدرت الندوة مجموعة من التوصيات أكدت في مجملها على أهمية ترسيخ حرية الصحافة وحرية التعبير باعتبارهما من الركائز الأساسية لحماية حقوق الإنسان وتعزيزها، مع الدعوة إلى توفير بيئة مهنية وآمنة تمكّن الصحفيين من أداء رسالتهم باستقلالية ومسؤولية.
ودعت التوصيات إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الإعلامية والجهات المعنية بحقوق الإنسان لرصد الانتهاكات وتوثيقها وفق معايير مهنية وحيادية، وتوسيع برامج التدريب والتأهيل في مجالات صحافة حقوق الإنسان والصحافة الاستقصائية، بما يسهم في رفع كفاءة الإعلاميين وتعزيز قدرتهم على تناول القضايا الحقوقية بمهنية واحترافية.
كما أوصى المشاركون بتطوير آليات وطنية لحماية الصحفيين وضمان سلامتهم أثناء أداء مهامهم المهنية، وترسيخ الالتزام بمدونات السلوك المهني وأخلاقيات العمل الصحفي، لا سيما عند تغطية القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان والفئات الأكثر هشاشة.
وشددت التوصيات على أهمية تعزيز دور وسائل الإعلام في نشر ثقافة حقوق الإنسان والتوعية بالقوانين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ودعم حق الصحفيين في الوصول إلى المعلومات والبيانات باعتباره أحد الشروط الأساسية لإنتاج محتوى إعلامي دقيق وموثوق.
ودعت إلى تشجيع إنتاج محتوى إعلامي يسلط الضوء على قضايا الضحايا والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، مع احترام كرامتهم وخصوصيتهم، إلى جانب تعزيز الشراكات بين المجلس الوطني للحريات العامة، وحقوق الإنسان والهيئة العامة لرصد المحتوى الإعلامي، والمؤسسات الأكاديمية، ومنظمات المجتمع المدني، لتطوير الأداء الإعلامي والحقوقي.
وأوصى المشاركون بتنظيم ندوات وجلسات عمل دورية لمتابعة المستجدات والتحديات المرتبطة بالإعلام وحقوق الإنسان في ليبيا، ودعم الصحافة الاستقصائية باعتبارها أداة فعالة في كشف الانتهاكات وتعزيز قيم الشفافية والمساءلة، فضلا عن إعداد تقرير ختامي يتضمن مخرجات الندوة وتوصياتها وإحالته إلى الجهات المختصة للاستفادة منه في تطوير السياسات الإعلامية والحقوقية.
وتأتي هذه الندوة في وقت لا تزال فيه حرية الصحافة في ليبيا تواجه تحديات قانونية ومؤسسية ومهنية متعددة، رغم ما نصت عليه المادة (14) من الإعلان الدستوري من كفالة لحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة ووسائل الإعلام،غير أن النص ذاته ربط ممارسة هذه الحريات بعدم تعارضها مع القانون، دون تحديد واضح للإطار التشريعي المنظم لهذه القيود أو الضوابط الحاكمة لها، الأمر الذي يثير تساؤلات مستمرة بشأن مدى اتساق التشريعات النافذة مع المعايير الدولية الضامنة لحرية التعبير والعمل الصحفي.
كما لم يتضمن الإعلان الدستوري نصا صريحا يكفل حق الصحفيين في الوصول إلى مصادر المعلومات والحصول عليها، وهو ما يمثل إحدى أبرز العقبات التي تواجه تطوير العمل الصحفي وتعزيز دوره الرقابي في المجتمع.
وبينما تتواصل المطالب بإصلاح المنظومة التشريعية المنظمة للإعلام، يرى مختصون أن بناء صحافة حرة ومستقلة يتطلب إطارا قانونياً واضحا يضمن حرية النشر والتعبير، ويحمي الصحفيين من الانتهاكات والضغوط، ويكفل الحق في الحصول على المعلومات باعتباره أحد المرتكزات الأساسية للديمقراطية والحوكمة الرشيدة وسيادة القانون.
(وال)