Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

( وال) خبير أرصاد ليبي: سحب استوائية عبرت ليبيا من الجنوب إلى الشمال في ظاهرة لم أشهد مثيلاً لها منذ 1980.

نشر بتاريخ:

 طرابلس 05 يونيو 2026 م (وال) - كشف خبير الأرصاد الجوية الليبي " علي ميلاد أبوخريص " عن رصد ظاهرة مناخية استثنائية وصفها بأنها غير مسبوقة في مسيرته المهنية الممتدة لأكثر من أربعة عقود، تمثلت في تحرك السحب الاستوائية الموسمية من أقصى جنوب ليبيا نحو الشمال، مرورًا بمناطق واسعة من البلاد قبل أن تواصل امتدادها خارج الحدود الليبية، في مشهد قال إنه لم يشهد له مثيلاً منذ تخرجه في الجزائر عام 1980.

جاءت ملاحظات " أبوخريص " ضمن ورقة بحثية موسعة بعنوان "المناخ في ليبيا والدورات المناخية طويلة المدى"، استعرض فيها حصيلة خبرة ميدانية تراكمية اكتسبها من العمل في مجال الأرصاد الجوية بمختلف مناطق ليبيا، مدعومة بمتابعة صور الأقمار الصناعية والرصد الميداني وشهادات مباشرة من سكان المناطق التي تأثرت بالحالة الجوية الأخيرة.

وأوضح " أبوخريص " أن موسم الأمطار الحالي بدأ بتدفق السحب الموسمية القادمة من المناطق القريبة من خط الاستواء نحو المناطق الحدودية الجنوبية، قبل أن تواصل تقدمها بصورة لافتة نحو الشمال لتشمل مناطق غدامس والحمادة وترهونة وبني وليد والجفرة، وصولًا إلى شرق طرابلس ومنطقة الخليج وجنوب الجبل الأخضر، ثم تعبر الأراضي المصرية باتجاه المشرق العربي ، لافتا إلى أن هذه الحالة الجوية تعد الأولى من نوعها التي يتابعها بهذا الامتداد المكاني والزمني طوال مسيرته المهنية، مشيرًا إلى أن توثيقها استند إلى تسلسل صور الأقمار الصناعية والتواصل المباشر مع شهود عيان في مناطق الجنوب والوسط والشمال الليبي.

وبين أن السحب الاستوائية التي صاحبت هذه الحالة أظهرت خصائص مختلفة عن السحب البحرية المعتادة التي تؤثر غالبًا في شمال البلاد، حيث أفاد عدد من المواطنين بأن قطرات المطر كانت أكبر حجمًا من المعتاد، كما اتسمت العواصف الرعدية المصاحبة لها بشدة ملحوظة في دوي الرعد وغزارة الهطول ، مشيرا إلى أن السيول الناتجة عن هذه الأمطار تميزت بجريانها فوق الأراضي الرملية والمنبسطة نتيجة تماسك التربة وتشبعها بالمياه، وهي ظاهرة قال إنه تمت ملاحظتها ميدانيًا وأكدتها مقاطع فيديو وصور متداولة من المناطق المتضررة.

واستند أبوخريص في تفسيراته إلى خبرة عملية بدأت عقب تخرجه عام 1980 والتحاقه بالخدمة العسكرية، حيث عمل راصدًا جويًا بمطار معيتيقة قبل أن يتنقل بين عدد من المطارات في الساحل والوسط والجنوب الليبي، الأمر الذي أتاح له متابعة الفروق المناخية بين مختلف مناطق البلاد واكتساب معرفة ميدانية مباشرة بالظواهر الجوية المحلية.

وتوقف الباحث عند واحدة من أبرز التجارب التي شهدها خلال عمله بمطار أوزو في أقصى الجنوب الليبي عام 1983، عندما تدفقت مياه أحد الأودية القريبة من المطار لمدة ثلاثة أيام متواصلة رغم عدم تسجيل هطول أمطار داخل الأراضي الليبية آنذاك، موضحًا أن الأمطار كانت قد هطلت جنوب الحدود، قبل أن تصل المياه إلى الداخل الليبي عبر المجاري الطبيعية للأودية نتيجة الانحدار التضاريسي.

واعتبر أن تلك الحادثة شكلت دليلًا عمليًا على الترابط المناخي والهيدرولوجي بين ليبيا ومحيطها الإقليمي، وعلى قدرة الأمطار التي تهطل خارج الحدود على التأثير المباشر في بعض المناطق الليبية.

وفي معرض حديثه عن طبيعة الأمطار في الجنوب الليبي، أوضح " أبوخريص " أن المنطقة تتأثر سنويًا بالسحب الاستوائية القادمة من المناطق القريبة من خط الاستواء، خاصة خلال الفترة الممتدة من مايو إلى سبتمبر، حيث تتراوح معدلات الهطول بين المتوسطة والغزيرة بحسب الظروف المناخية السائدة في كل موسم.

ويرى الخبير الليبي أن فهم الظواهر المناخية الحالية يتطلب النظر إليها ضمن إطار أوسع يشمل الدورات المناخية طويلة المدى التي تمتد لعقود وربما لقرون، مشيرًا إلى أن سجلات الرصد الحديثة، رغم أهميتها الكبيرة، لا تمثل سوى جزء محدود من التاريخ المناخي الطويل للأرض ، مبينا أن شبكات الرصد الجوي الحديثة شهدت تطورًا ملحوظًا بعد الحرب العالمية الثانية، بينما انضمت الدول العربية إلى منظومة الرصد العالمية التابعة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية خلال خمسينيات القرن الماضي، الأمر الذي يجعل الحاجة قائمة للاستفادة من مصادر تاريخية أخرى عند دراسة المناخ وتطوره عبر الزمن.

وفي هذا السياق، دعا أبوخريص إلى الاستفادة من الموروث الشعبي المحلي الذي احتفظ بتسميات لأعوام ارتبطت بظواهر مناخية استثنائية، مثل أعوام الجفاف أو الفيضانات أو الثلوج، معتبرًا أن هذه الروايات تمثل جزءًا من الذاكرة المناخية للمجتمعات ويمكن أن تسهم في دعم الدراسات التاريخية للمناخ.

كما تناولت الورقة البحثية عدداً من المفاهيم المناخية الأساسية، من بينها الرطوبة النسبية ونقطة الندى، موضحًا أن ارتفاع الرطوبة النسبية يزيد من شعور الإنسان بالحرارة نتيجة انخفاض كفاءة تبخر العرق، بينما يؤدي انخفاضها إلى زيادة الإحساس بالبرودة.

وأشار كذلك إلى الدور المهم الذي يؤديه نسيم البحر في تعديل مناخ المناطق الساحلية الليبية، حيث يسهم في خفض درجات الحرارة مقارنة بالمناطق الداخلية، لافتًا إلى أن الفارق الحراري بين الساحل والداخل قد يصل في بعض الحالات إلى ما بين 10 و13 درجة مئوية خلال أشهر الصيف.

وفي جانب آخر من الورقة، تطرق أبوخريص إلى أثر النشاط الزراعي في تعديل المناخ المحلي، مشيرًا إلى أن سهل الجفارة شهد خلال سبعينيات القرن الماضي نشاطًا زراعيًا مكثفًا أسهم في تلطيف درجات الحرارة من خلال عمليات الري اليومية وزيادة الرطوبة المحلية.

وحذر من أن تراجع الغطاء النباتي واستنزاف المياه الجوفية خلال العقود الماضية أسهما في ارتفاع درجات الحرارة وتراجع التأثيرات المناخية الإيجابية للزراعة، داعيًا إلى إعادة إحياء الحزام الأخضر والتوسع في مشاريع التشجير وتحلية مياه البحر للحفاظ على التوازن البيئي والمناخي.

ولفت إلى أن السحب الاستوائية تعد من أكثر النظم الجوية قدرة على إنتاج الأمطار الغزيرة والعواصف الرعدية القوية وحبات البرد كبيرة الحجم، مستشهدًا بمشاهدات ميدانية في مناطق الجنوب الغربي الليبي سجلت أضرارًا مادية شملت تحطم زجاج بعض المركبات وإتلاف ممتلكات نتيجة تساقط حبات برد كبيرة الحجم.

وأكد أن العواصف الرعدية المرتبطة بالسحب الاستوائية تتميز غالبًا بقوة أكبر مقارنة بالعواصف المحلية المعتادة، سواء من حيث شدة الرعد أو حجم قطرات المطر أو غزارة الهطول خلال فترة زمنية قصيرة.

واختتم أبوخريص ورقته بالتأكيد على أن دراسة المناخ الليبي تتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين الخبرة الميدانية الطويلة والبيانات العلمية الحديثة والسجلات التاريخية والموروث المحلي، مشددًا على أن فهم التغيرات المناخية يظل عملية تراكمية تعتمد على الرصد المستمر والتوثيق الدقيق وتبادل المعرفة بين الأجيال، بما يسهم في بناء فهم أشمل للظواهر المناخية وتأثيراتها على الإنسان والبيئة في ليبيا.هذه النسخة أقرب إلى تقرير صحفي معمق (Feature Report) يصلح للنشر في وكالة الأنباء الليبية أو الصحف والمواقع الإخبارية، لأنه يجمع بين الخبر الرئيسي والخلفية العلمية والسياق التاريخي وشهادات الخبير في قالب واحد متماسك. .

( وال)