Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

مظاهرات طرابلس وملف الهجرة غير النظامية.. مخاوف متصاعدة وأسئلة تبحث عن إجابات

نشر بتاريخ:

-متابعة وتصوير : فريق وال

طرابلس 04 يونيو 2026 (وال) - شهدت العاصمة طرابلس، اليوم الخميس، مظاهرات سلمية واسعة شارك فيها مواطنون قدموا من عدة مناطق ومدن ليبية، قبل أن تتجمع الحشود أمام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بمنطقة السراج، مطالبة بإغلاق مقر المفوضية ووقف نشاطها داخل البلاد، ورافضة ما وصفه المحتجون بـ "مشاريع التوطين" واستمرار تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى ليبيا.

ورغم الطابع السلمي الذي اتسمت به التحركات، فإنها عكست حجم القلق الشعبي المتنامي تجاه ملف الهجرة غير النظامية، وهو ملف تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل في المجتمع الليبي، وسط تداخل أبعاده الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.

وخلال الأيام التي سبقت المظاهرات، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي الليبية حملات تعبئة واسعة انتقدت أداء مفوضية شؤون اللاجئين، ودعت إلى رفض أي سياسات يُعتقد أنها قد تؤدي إلى استقرار المهاجرين بصورة دائمة داخل ليبيا. كما رافقت هذه الحملات دعوات لترحيل المهاجرين غير النظاميين وتشديد الرقابة على الحدود ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.

ومن أبرز الإشكاليات التي تواجه صناع القرار والباحثين في هذا الملف غياب أرقام دقيقة أو حتى شبه دقيقة حول أعداد المهاجرين غير النظاميين الموجودين داخل ليبيا. فلا توجد جهة رسمية أو دولية تحظى بإجماع كامل حول حجم الظاهرة، خصوصاً أن المهاجرين لا يأتون فقط من دول أفريقيا جنوب الصحراء، بل من دول آسيوية وعربية مختلفة، ما يجعل تقدير الأعداد الحقيقية أمرا بالغ الصعوبة.

وتبقى حقيقة أن ليبيا دولة استقطاب وعبور في الوقت نفسه. فالاقتصاد الليبي، وخاصة القطاع الخاص، يعتمد منذ عقود على العمالة الأجنبية في قطاعات البناء والزراعة والصناعة والخدمات. ويقدر مراقبون عدد العمال الأجانب المقيمين في ليبيا بصورة قانونية أو شبه مستقرة بما يتراوح بين 1.2 و1.5 مليون عامل من جنسيات متعددة، يعيشون بين الليبيين ويساهمون في النشاط الاقتصادي، فيما يقوم معظمهم بتحويل جزء من دخولهم إلى أسرهم عبر شبكات مالية عابرة للحدود.

لكن ما يثير القلق اليوم هو التزايد الملحوظ في أعداد المهاجرين غير النظاميين الذين لا ينوون الاستقرار الدائم في ليبيا بقدر ما يسعون إلى جمع الأموال اللازمة لاستكمال رحلتهم نحو أوروبا، ويعمل كثير منهم، وخاصة النساء، في أعمال مؤقتة بهدف تسديد تكاليف الرحلة التي أوصلتهم إلى طرابلس أو جمع المبالغ المطلوبة للعبور إلى الضفة الشمالية للبحر المتوسط.

ولاحظ سكان طرابلس ومدن أخرى، بالتزامن مع الدعوات إلى التظاهر، اختفاء أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين من الشوارع ومواقع العمل والأسواق، وهو ما تسبب في حالة من الارتباك في بعض الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على هذه العمالة. ورغم أن المظاهرات جرت بصورة سلمية، فإن المخاوف لا تزال قائمة من احتمال وقوع احتكاكات فردية أو محاولات لاستغلال هذا الملف سياسيا أو أمنيا في ظل حالة الاستقطاب التي تشهدها البلاد.

ومن بين المؤشرات التي دقت ناقوس الخطر لدى شرائح واسعة من الليبيين تزايد أعداد أطفال المهاجرين في شوارع المدن الكبرى، فالمشاهد اليومية لأطفال صغار يرافقون نساء في التسول، أو يبيعون المياه والمناديل الورقية عند إشارات المرور، أصبحت أكثر حضورا من السابق ،بينما يعمل بعض الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و15 عاماً في أعمال مختلفة، بعضها قد يكون خارج الأطر القانونية أو الرقابية.

ويطرح هذا الواقع تساؤلات جدية حول مستقبل هؤلاء الأطفال بعد سنوات قليلة إذا ظلوا خارج المنظومة التعليمية والتأهيلية،ويحذر عدد من المراقبين من أن استمرار هذا الوضع قد يخلق بيئة خصبة للاستغلال من قبل شبكات الجريمة المنظمة أو الجماعات المسلحة المحلية والعابرة للحدود، خصوصاً في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية في بعض المناطق.

كما تبرز إشكالية أخرى أكثر تعقيدا تتمثل في الأطفال المولودين داخل ليبيا من أسر مهاجرة، وبخاصة مجهولي النسب أو الذين يفتقرون إلى وثائق ثبوتية واضحة، الأمر الذي يطرح تحديات قانونية وإنسانية واجتماعية طويلة الأمد تتعلق بالهوية والتعليم والرعاية الصحية والاندماج المجتمعي.

وفي ظل هذه التحديات المتراكمة، يبدو أن معالجة الملف لا يمكن أن تتم عبر الشعارات أو الحلول الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى استراتيجية وطنية شاملة تجمع بين ضبط الحدود، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتنظيم سوق العمل، وتحديث قواعد تسجيل وإحصاء العمالة الأجنبية، مع تعزيز التعاون مع دول المنشأ والعبور والمنظمات الدولية المعنية.

ويرى مراقبون للشأن الليبي أن ليبيا، بحكم موقعها الجغرافي وظروفها الاقتصادية، ستظل جزءا من معادلة الهجرة الإقليمية والدولية. غير أن حماية السيادة الوطنية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي يتطلبان إدارة هذا الملف وفق رؤية واقعية ومتوازنة، تراعي المصالح الوطنية من جهة، والاعتبارات الإنسانية والقانونية من جهة أخرى، قبل أن تتحول التحديات الحالية إلى أزمات أكثر تعقيدا في المستقبل. 

(وال)