Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

ثلاث أزمات تخنق الليبيين في العيد: السيولة والوقود والانهيار الرقمي

نشر بتاريخ:

-متابعة وتصوير فريق (وال)

طرابلس 30 مايو 2026 (وال) - تعيش ليبيا منذ سنوات على وقع أزمات يومية متكررة أصبحت جزءا من المشهد المعتاد في حياة المواطنين، وسط عجز واضح للسلطات المتعاقبة والمؤسسات التابعة لها عن إيجاد حلول جذرية لمشكلات تبدو في كثير من الأحيان غير منطقية في بلد يملك واحدا من أكبر الاحتياطات النفطية في العالم.

خلال الأسبوع الذي سبق عيد الأضحى وعطلة العيد، وجد الليبيون أنفسهم أمام ثلاث أزمات خانقة تزامنت دفعة واحدة: طوابير طويلة أمام المصارف، وأزمة وقود خانقة، وتعطل واسع في خدمات الدفع الإلكتروني، ما ضاعف من معاناة المواطنين وأعاد طرح الأسئلة القديمة نفسها حول أسباب استمرار هذا الانهيار الخدمي والاقتصادي.

عادت أزمة الوقود مجددا لتخنق المدن الليبية، حيث امتدت طوابير السيارات أمام محطات التوزيع لمسافات طويلة، في مشهد يتكرر مرتين على الأقل كل شهر منذ سنوات. ورغم تعدد التبريرات الرسمية بين الحديث عن تأخر شحنات الاستيراد أو سوء الأحوال الجوية أو عمليات تهريب الوقود، إلا أن كثيرا من الليبيين لم يعودوا يقتنعون بهذه الروايات، خاصة وأن ليبيا تُعد ثاني أكبر منتج للنفط في أفريقيا وتمتلك احتياطات ضخمة تؤهلها لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الوقود.

ويرى مراقبون أن استمرار اعتماد ليبيا على استيراد البنزين والديزل من الخارج يمثل مفارقة وسياسة تعتريها شبهات فساد، في ظل غياب مشاريع حقيقية لبناء مصاف حديثة مخصصة لتغطية احتياجات السوق المحلي البسيط (حوالي 7 ملايين نسمة). ومن هنا تتجدد التساؤلات حول أسباب عجز السلطات عن مكافحة تهريب الوقود الذي يتم بشكل علني في بعض المناطق.

وبالفعل يُلاحظ المسافرون، على سبيل المثال، على الطريق الممتد من مدينة الزاوية إلى رأس اجدير (الحدود الليبية التونسية)، انتشار عشرات الدكاكين البائسة ونقاط البيع العشوائية التي تعرض البنزين والديزل في جالونات بلاستيكية على مرأى من مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية والبلدية. 

ويؤكد مواطنون أن أسعار الوقود المهرب ترتفع إلى أكثر من عشرة أضعاف السعر الرسمي وزيادة مضاعفة خلال فترات الأزمة، في وقت تغلق فيه عشرات محطات الوقود أبوابها رغم حصولها على حصصها الرسمية من الوقود، ما يثير تساؤلات حول مصير تلك الكميات والجهات المستفيدة من بيعها في السوق السوداء.

ولا تقتصر المفارقة على ذلك فقط، إذ يشير كثيرون إلى العدد الكبير من محطات الوقود المنتشرة في مناطق شبه خالية من السكان على امتداد الطريق الساحلي من العاصمة إلى الحدود التونسية باستثناء المدن الرئيسية مثل الزاوية وصرمان وصبراتة وزوارة، الأمر الذي يعزز الشكوك حول استخدام جزء من هذه المحطات كواجهات لعمليات تهريب منظمة تستنزف مقدرات الدولة.

عادت، بالتوازي مع أزمة الوقود المتكررة وغير المبررة، أزمة السيولة النقدية لتتصدر المشهد مع اقتراب صرف المرتبات كل شهر، حيث اصطفت طوابير المواطنين أمام المصارف لساعات طويلة في محاولة للحصول على مبالغ محدودة من أموالهم. ورغم الوعود المتكررة بإصلاح القطاع المصرفي وتحسين إدارة النقد، لا تزال السوق السوداء للعملة تواصل نشاطها بشكل علني وتغولها على الدولة في مناطق معروفة بالعاصمة طرابلس مثل سوق المشير وميدان الساعة والظهرة، وسط تساؤلات عن دور الأجهزة الرقابية والجهات المكلفة بمكافحة الفساد وغسيل الأموال.

ويؤكد الخبير المصرفي الليبي محمد أشرف أن استمرار ما يعرف محلياً بعمليات "الحرق" يعكس وجود خلل عميق داخل المنظومة المصرفية. وتتمثل هذه العمليات في قيام بعض كبار التجار وسماسرة العملة بشراء الدولار باستخدام البطاقات المصرفية ثم إعادة بيعه للحصول على السيولة النقدية بالدينار الليبي، وهو ما يفاقم أزمة النقد المحلي ويزيد الضغط على الوضع الاقتصادي الليبي ويُفاقم معاناة الليبيات والليبيين.

ويرى أشرف أن هذه الظاهرة تؤكد وجود "لوبيات" داخل بعض المصارف قادرة على الوصول إلى كميات كبيرة من العملة المحلية وضخها في السوق السوداء، الأمر الذي يسهم في استمرار انهيار الدينار الليبي وارتفاع معدلات التضخم والأسعار، بينما يواجه المواطن البسيط صعوبة متزايدة في تغطية احتياجاته اليومية الأساسية.

أما الأزمة الثالثة التي فجرت غضب الليبيين قبيل وأثناء عطلة عيد الأضحى، فتمثلت في تعطل واسع لخدمات الدفع الإلكتروني وبطاقات السحب المصرفية، في وقت شهدت فيه الأسواق حركة شراء مكثفة للأضاحي والمواد الغذائية مع ندرة السيولة النقدية.

وتحدث مواطنون عن تعرضهم لمشكلات متكررة أثناء استخدام البطاقات المصرفية، حيث يتم خصم المبالغ من حساباتهم دون أن تصل إلى حسابات التجار، ما تسبب في خلافات ومشادات داخل الأسواق.

 ويقول المواطن فرج علي إنه اشترى مواد غذائية ومتطلبات للعيد بقيمة 350 دينارا باستخدام بطاقته المصرفية، وتلقى رسالة تؤكد خصم المبلغ، إلا أن صاحب المتجر أخبره بأن الأموال لم تصل إلى حسابه، موضحا أن استرجاع المبلغ قد يستغرق 72 ساعة، وغادر دون المواد الغذائية الضرورية لأسرته.

وتكررت هذه الحالات مع الآلاف من المواطنين، حيث يجد المستهلك نفسه قد خسر المبلغ مؤقتا بينما لا يتحصل التاجر على قيمة المبيعات، في ظل غياب حلول فورية أو بنية مصرفية رقمية قادرة على تحمل الضغط المتزايد على عمليات الدفع الإلكتروني.

ويرى مختصون أن هذه الأعطال تكشف ضعف البنية التحتية الرقمية للمصارف الليبية وغياب خطط حقيقية لتطوير الخدمات الإلكترونية، رغم الحديث المستمر منذ سنوات عن التحول الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد الورقي.

وفي ظل تكرار هذه الأزمات، يتساءل الليبيون إلى متى ستستمر معاناتهم اليومية في بلد غني بالنفط والثروات؟ ولماذا تبدو مشاهد الطوابير أمام محطات الوقود والمصارف أمرا طبيعيا في ليبيا بينما تختفي من دول لا تنتج برميلا واحدا من النفط؟ وبين عجز الحكومات المتعاقبة ومؤسساتها ، واستمرار الفساد، وضعف الرقابة، يبقى المواطن الليبي وحده من يدفع ثمن أزمة يبدو أنها بلا نهاية. 

(وال)