المنفي : لابد من وضع ميزانية واحدة وليست موحدة .
نشر بتاريخ:
طرابلس 12 إبريل 2026 م (وال) – شدد رئيس المجلس الرئاسي " محمد المنفي " على ضرورة وضع ميزانية واحدة وليست موحدة ، وأن يكون هناك افصاح وشفافية عن طريق ترتيبات مالية، وجهة واحدة للمصرف وللمحاسبة والرقابة ، ولجنة وطنية سيادية لمتابعة عقود النفط، والغاز المورد الأساسي، والوحيد للمواطن ، وأن تكون هناك قناة واحدة للمصرف تُجمع فيها كل الايرادات دون دخول وسيط محلي، أو أجنبي يقاسم الليبيين قوتهم وقوت أولادهم .
جاء ذلك في كلمة له في ملتقى دعم المسار الوطني لمكافحة الفساد و تعزيز الشفافية وحماية المال العام الذي بدأ أعماله اليوم الاحد بطرابلس ، واستهلها بالقول إن الشعب الليبي هو صاحب الحق، وصاحب السلطة الباقي فوق أرضه بعد كل الأجسام السياسية الزائلة والمراحل الانتقالية المؤقتة، والمالك الأصيل لخيرات وثروات هذا البلد المعطاء.
وقال إن المرحلة التي تشهدها وتمر بها ليبيا هيا بكل المقاييس مرحلة غير مسبوقة في تاريخها، وحالة يصعب أن يكون لها مثيل بين الدول ، فالثُروة سرقت، والأحلام تبخرت، والدولة فرقتها نزوات الساسة، وأطماع السلطة، والشعب أنهكته سنوات عجاف بسبب الفساد والنهب الممنهج لمقدراته وقوت أبنائه.
وأضاف إننا نقف اليوم أمام واقع لا يمكن تجاهله، واقع أثقل كاهله أزمات متراكمة عنوانها الأبرز الفساد، وجذورها تمتد في عمق بنية الدولة والمجتمع ، فقد أصبح عدم الاستقرار السياسي سمةً ملازمة، لا لأنه قدر محتوم بل لأنه نتيجة مباشرة للفساد، وللإهمال، للتسيب، وغياب الرؤية والمسؤولية ، مبينا أن ما يعيشه المواطن اليوم من ضيق في المعيشة، وتدهور في الخدمات، وارتفاع في الأسعار، وتآكل في القدرة الشرائية لم يعد مجرد أزمة عابرة بل اصبح واقعاً قاسياً يثقل حياة الناس، ويستنزف صبرهم، ويمس كرامتهم، وحقهم الطبيعي في العيش الكريم.
وتساءل " المنفي " بقوله كيف يمكن لوطن أن ينهض، وطاقاته تستنزف وتبدد موارده، وكيف نبني دولة قوية بينما الرشوة، والوساطة، والمحسوبية أصبحت أبواباً تُفتح بها الفرص لا الكفاءة، ولا الاستحقاق ، وكيف نثق في مؤسسات يُستغل فيها المنصب العام لتحقيق المصالح الشخصية، بينما يفلت الفاسدون من العقاب ويُكافأ المتجاوزون، ويُقصى الشرفاء ؟.
وأوضح أن الفساد ليس فقط سلوك فردي، بل منظومة متكاملة تتغذى على التزوير، والابتزاز، وتترسخ حين تُحجب الحقيقة، وتُسيطر السلطة على الاعلام فيُكمم الصوت الحر، وتطمس الوقائع، ويتفاقم هذا الخطر حين يغيب دور مؤسسات المجتمع المدني تلك التي يُفترض أن تكون عين الرقابة، وصوت الناس حين يحتكر القرار في قمة هرم الدولة بعيداً عن المشاركة، وبمعزل عن إرادة الشعب ، وإن الفساد لا يسرق المال فقط بل يسرق الأمل، ويُقوض الشرعية، ويهدم الثقة بين المواطن والدولة حين تُفقد هذه الثقة لا يبقى سوى الفراغ، وتنتشر الفوضى، ويتزعزع الاستقرار، وتصبح الدولة نفسها على المحك.
وتطرق " المنفي " في كلمته إلى إلى ما مرت به ليبيا ، وقال إن بلادنا شهدت خلال السنوات الماضية كماً كبيراً من التفاهمات، والتفاهمات المضادة، والمبادرات والاتفاقيات، والشعارات، والعناوين البراقة، ولكن كثيراً منها لم يكن موجهاً إلى حل جذور الأزمة بل إلى إدارتها بما يضمن بقاءها، وإعادة انتاجها في صورة جديدة، وتمديد عمر الانقسام، وتدوير النفوذ، وتقاسم الموارد، وترحيل الكلفة إلى جيب المواطن، وما كان يُفترض أن يكون مدخلاً للإصلاح تحول في كثير من الأحيان إلى غطاء جديد للعبث، وما كان يُفترض أن يكون أداة للإنقاذ صار في الواقع أداة لتصفير التزامات الانقسام، وإعادة توزيع أعبائه دون أي أثر حقيقي على حياة الناس، أو على انتظام مؤسسات الدولة، أو على مسار الاستقرار الوطني
وأكد أن الفساد في ليبيا صار واضحاً ، ولم يّعد مجرد تجاوزات فردية، أو حالات معزولة بل أصبح منظومة متشابكة تتغلغل في مفاصل الدولة، والإدارة، وتستفيد من الانقسام، وتعيش عليه، وتقاوم كل مسعى جاد للإصلاح لأنها تدرك أن إنهاء الفوضى يعني نهاية امتيازاتها، وأن قيام دولة المؤسسات، والقانون يعني سقوط الحصانة السياسية التي احتمت بها طويلاً ، لافتا إلى أنه في الوقت الذي تهدر فيه المليارات تحت عناوين مختلفة يعجز المواطن على الحصول على أبسط حقوقه في العلاج الكريم، والتعليم الجيد، والخدمات الاساسية، والكهرباء المستقرة، والطرق الأمنة، والإدارة المنضبطة.
ونبه " المنفي " إلى أنه لا يمكن الحديث عن مكافحة الفساد، ولا عن حماية فعلية للمال العام في ظل واقع مؤسسي منقسم، وسلطات متعددة وانفاق مفتوح بلا مساءلة كافية، وتداخل في الاختصاصات، وتغليب للمصالح السياسية على الضروريات الوطنية ، فالأزمة في ليبيا ليست أزمة أرقام فقط بل أزمة حكم، أزمة شرعية ، أزمة إدارة عامة، أزمة مساءلة، وأزمة إرادة في بناء دولة حقيقية، مشددا على ضرروه وضع من ميزانية واحدة في الدولة يُنتج من مؤسسات موحدة وسلطات منسجمة ومسؤوليات محددة، وآليات رقابية نافذة، إما أن يكون هناك صرف في ظل تعدد مراكز القرار، واستمرار الانقسام السياسي فإنه لا يُمثل حل متكامل بل يمكن أن يتحول إلى منفذ إضافي للفوضى، ومدخل جديد للهدر، ومضلة أوسع لتدوير الفساد.
وقال إن ما أصدع به الآن لا ينبغي ان يُنظر إليه مماحكة سياسية أو إلقاء التهم جزافاً، وقد أحلتُ في الأيام القليلة الماضية إلى كافة الجهات الرسمية في الدولة تقرير لجنة الخبراء الاقتصاديين التي أعدته نخبة من أهل الاختصاص المشهود لهم بالعلم والاستقلال، والكفاءة، والذي أكدوا فيه بكل وضوح على ضرورة التدخل العاجل لوقف النزيف الاقتصادي، والمالي في الدولة، وكبح جماح الفساد الجائر الذي يدفع بالأوضاع في البلاد إلى حافة الانهيار الاقتصادي، والفوضى ، فالقانون المالي في الدولة شبه معطل، والرقابة المالية عاجزة أو معطلة، والايرادات السيادية لا تورد إلى خزينة الدولة، والنفقات الحكومية لا توجه إلى استحقاقاتها ومستحقيها، أما الدينار الليبي فقد خسر ما يقرب من 80% من قوته الشرائية متسبباً في موجات تضخمية قذفت بأكثر من 40% من أبناء الشعب الليبي تحت خط الفقر، حتى ثروة الأجيال القادمة لم تعد آمنة تحت الأرض من التعاقدات طويلة الآجل التي لا تلبي الحد الأدنى من الإشتراطات القانونية والمعايير الفنية التي تحفظ للشعب الليبي حقه ومصلحته.
وأستطرد قائلا إن الحقيقة التي يجب أن تقال أيضاً أن حجم التعطيل السياسي والتلاعب بالمؤسسات والتداخل بين النفوذ والمال، جعل من الصعب اتخاذ إجراءات حاسمة بالسرعة التي تقتضيها خطورة المرحلة ، وهذا لا يعفينا من المسؤولية لكنه يفرض علينا جميعا أن نفهم طبيعة المعركة التي نخوضها: أنها معركة استعادة الدولة من الانقسام، واستعادة القرار الوطني من الابتزاز، واستعادة المال العام من النهب المنظم.
وأضاف إن الشعب الليبي لا يستجدي حقوقه، ولا يطلب من أحد منحة فيما هو حق أصيل له ، فحقه في العيش الكريم ليس منة من أحد ، وحقه في دولة موحدة، ومؤسسات شرعية، وخدمات لائقة، ومال عام مُصان ليس ترفاً بل هو جوهر العقد الوطني الذي قامت من أجله فكرة الدولة / لافتا إلى أن صبر الليبيين طوال هذه السنوات لم يكن ضعفاً، ولم يكن رضاً بالواقع، وإنما كان تعبيراً عن وعي عميق بخطورة الفوضى، وحرصاً على الوطن، وتجنباً للانزلاق إلى المجهول ، ولا يجوز أن يساء فهم صبره ، ولا أن يستغل لتمرير المزيد من العبث، أو لفرض المزيد من الصفقات، أو لتعميق واقع الانقسام والفساد.
ودعا " المنفي " في كلمته أبناء شعبنا إلى التمسك بحقهم في التعبير السلمي المسؤول، ورفض شرعنة الفساد، وعدم تمكين الفاسدين اجتماعيا، أو سياسياً، او معنوياً، وعدم قبول بتحويل المال المنهوب إلى وجاهة أو النفوذ غير المشروع إلى تمثيل عام ، مشيرا إلى أن المعركة ضد الفساد ليست معركة أجهزة رقابية فقط، وليست معركة مؤسسات رسمية فقط، بل هيا أيضاً معركة وعي مجتمعي، وموقف أخلاقي، ورفض وطني جامع لكل أشكال النهب والافلات من العقاب.
ونبه إلى أن الطريق الحقيقي للخروج من هذا المأزق لا يكون لتوسيع دائرة الحلول المؤقتة، ولا بإعادة تدوير الأجسام، والترتيبات ذاتها، ولا بترحيل الأزمة من ورقة إلى أخرى ، بل بالعودة إلى الشعب والاحتكام إلى إرادته الحرة، وتمكينه من اختيار سلطة تشريعية وتنفيذية جديدة عبر انتخابات يشارك فيها الليبيون كافة على أسس قانونية عادلة وضمانات وطنية واضحة بما ينهي حالة العبث السياسي، والرقابي والاقتصادي التي أنهكت البلاد والمواطن.
ودعا " المنفي " في ختام كلمته إلى تحرك الجميع دولة ومجتمع ونخب وقوى وطنية - من أجل وقف هذا المسار وتصحيح الاتجاه وانقاذ ما تبقى من فرص الاستقرار والعيش الكريم ، فلابد أن يكون هناك ميزانية واحدة وليست موحدة، وأن يكون هناك افصاح وشفافية عن طريق ترتيبات مالية، وأن تكون هناك جهة واحدة للمصرف وللمحاسبة والرقابة ، وأن تكون هناك رقابة، ولجنة وطنية سيادية لمتابعة عقود النفظ ، والغاز المورد الأساسي، والوحيد للمواطن ، وأن تكون هناك قناة واحدة للمصرف تُجمع فيها كل الايرادات دون دخول وسيط محلي، أو أجنبي يقاسم الليبيين قوتهم وقوت أولادهم ، ولابد أن لا يدفع المواطن ثمن الاهدار واستنزاف المصروفات الحكومية المنقسمة ، وأن تكون هناك آلية وطنية للإفصاح والشفافية تعلن أمام الليبيين ، وأن لا يتم الأخذ من الاحتياطي المصرفي من أجل مصروفات حكومات منقسمة، ومصاريف غير منضبطة، وغير خاضعة للرقابة.
وقال لن أقف عاجر أمام معاناة الليبيين، ولن أقبل بأن تتحول مؤسسات الدولة إلى هياكل تدار فقط لحماية الفساد أو تسوية فواتير الاخفاق من قوت المواطنين ومذخراتهم، واحلام أطفالهم، وسنواصل القيام بواجبنا الوطني في المصارحة، وفي حماية المال العام، وفي دعم كل مسار جاد يقضي إلى توحيد المؤسسات وتجديد الشرعية وبناء الدولة، لا عبر الصفقات الداخلية والخارجية، بل عبر إرادة الشعب الليبي الكريم.
(وال)