الأنباء الليبية : الغلاء في ليبيا - ضغوط معيشية ، ومخاوف بأزمات اجتماعية متصاعدة .
نشر بتاريخ:
تقرير: أحلام الجبالي .
بنغازي 05 ابريل 2026 م ( وال ) - لم تعد أزمة الغلاء في ليبيا تقف عند حدود الأسعار أو ضعف القدرة الشرائية، بل بدأت تلقي بآثارها على تفاصيل الحياة اليومية داخل المجتمع، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار الضغط المعيشي إلى بروز مشكلات اجتماعية أعمق، قد لا تظهر دفعة واحدة، لكنها تتسع تدريجيًا كلما طال أمد الأزمة.
بهذه المقدمة استهلت صحيفة الأنباء الليبية الصادرة عن ( وال) تقريرها المطول الذي سلطت فيه الضوء على الارتفاع الجنوني في الأسعار في السوق الليبي ، بما فيها المواد الغذائية والأساسية والذي انعكس سلبا على حياة ومعيشة الاسرة الليبية ، ومعاناتها في توفير متطلباتها اليومية .
وقالت الصحيفة إنه مع اتساع الشكوى من ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع قدرة كثير من الأسر على مجاراة تكاليف المعيشة، يرى متابعون أن الخطر لم يعد اقتصاديًا فقط، بل بات يمس الاستقرار الاجتماعي نفسه، خاصة في ظل غياب حلول واضحة تخفف من وطأة الضيق اليومي على المواطنين.
- حين يطول الغلاء
وفي هذا السياق، قالت الباحثة والدراسة الاجتماعية إلهام دبّوب إن الضغوط الاقتصادية، إذا استمرت لفترة طويلة، “لا تبقى مجرد أزمة معيشية، بل تتحول إلى عامل يؤثر في سلوك المجتمع كله”.
وأوضحت دبّوب في تصريح لـ (وال) أن استمرار الغلاء وتآكل القدرة الشرائية في ليبيا، إذا اجتمعا مع ضعف المؤسسات وعدم الاستقرار، يمكن أن يقودا إلى عدد من الظواهر الاجتماعية المقلقة، تبدأ من داخل الأسرة وتمتد إلى الشارع ومزاج الناس العام ، لافتة إلى أن المشكلة “ليست في الغلاء وحده، بل في مدته، وفي شعور الناس بأن الوضع مستمر من دون أفق واضح للحل”، معتبرة أن هذا الجانب هو الأخطر، لأنه ينقل التأثير من الجانب الاقتصادي إلى أثر اجتماعي ونفسي أعمق.
- الأسرة في الواجهة
وترى الباحثة أن أول ما يتأثر عادة في مثل هذه الظروف هو وضع الأسرة نفسها، باعتبارها الحلقة الأقرب إلى وقع الأزمة اليومي.
وقالت إن “عجز الأسرة عن تلبية الاحتياجات الأساسية يرفع مستوى التوتر داخل البيت، ويقود إلى خلافات أسرية وضغط نفسي مستمر، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى الطلاق أو العنف الأسري ، مبينة أن هذه المؤشرات “من أوائل العلامات التي تظهر عندما تبدأ الأزمة الاقتصادية في التحول إلى أزمة اجتماعية”، مشيرة إلى أن استمرار الضغط على الأسرة لفترة طويلة يترك أثرًا يتجاوز الجانب المادي إلى التماسك الداخلي نفسه.
وأضافت أنه مع تراجع القدرة على مجاراة المصروفات، فقد يتجه الكثيرين إلى حلول مؤقتة أو غير مستقرة لتأمين دخل إضافي ، لافتة إلى أن “الناس تبدأ بالبحث عن أي وسيلة للعيش ، سواء عبر أعمال إضافية غير مستقرة، أو تجارة موازية، أو وسائل أخرى قد تكون خارج القنوات الرسمية”.
ونبهت إلى أن هذا التوسع في الاقتصاد غير الرسمي لا يرتبط فقط بالحاجة، بل أيضًا “بفقدان الثقة في المسارات الطبيعية وقدرتها على تأمين حد أدنى من الاستقرار المعيشي”.
ويرى متابعون أن هذا النوع من التكيف قد يبدو في بدايته فرديًا أو محدودًا، لكنه يتحول مع الوقت إلى نمط عام إذا استمرت الظروف الضاغطة دون معالجة.
- مظاهر في الشارع
ولا تقف انعكاسات الأزمة، بحسب الباحثة، عند حدود الأسرة أو الدخل، بل قد تمتد إلى سلوكيات أكثر وضوحًا في الحياة العامة.
وقالت دبّوب إن “من المؤشرات التي تستحق الانتباه أيضًا، أي ارتفاع في معدلات الجريمة البسيطة، مثل السرقات أو الاحتيال أو النزاعات الناتجة عن الضغط أو الإحباط ، مؤكدة أن هذه المظاهر “لا تعني بالضرورة وجود جرائم منظمة، لكنها تعكس أن الضغط المعيشي بدأ يكسر بعض الحواجز الاجتماعية، ويدفع البعض إلى سلوكيات لم تكن مطروحة من قبل”.
- الهجرة كخيار متكرر
وفي ظل هذا الواقع، تبدو فئة الشباب الأكثر عرضة لفقدان الإحساس بالاستقرار، خاصة مع ضعف فرص العمل وغياب أفق التحسن السريع.
وقالت دبّوب إن “من الطبيعي في مثل هذه الظروف أن يبدأ الشباب في التفكير في الهجرة، سواء إلى الخارج أو حتى داخل البلاد، بحثًا عن فرصة أفضل أو وضع أقل ضغطًا”.
وأضافت أن تزايد هذا التفكير، حتى قبل تحوله إلى خطوة فعلية، “يعد في حد ذاته مؤشرًا اجتماعيًا مهمًا، لأنه يعكس تراجع الثقة في إمكانية التحسن القريب”.
- تراجع الثقة وتبدل السلوك
ومن بين أخطر ما يرافق الأزمات المعيشية الطويلة، بحسب دبّوب، ما يتعلق بتبدل علاقة المواطن بالمؤسسات وبالحياة العامة عمومًا .. قالت إن “المواطن عندما يشعر أن الأسعار خرجت عن السيطرة، وأنه لا توجد حلول واضحة، تبدأ ثقته في التراجع، ويصبح أكثر قابلية للغضب أو الاحتجاج أو حتى اللامبالاة”.
وأضافت أن استمرار هذا الشعور قد يقود أيضًا إلى “انتشار سلوكيات البقاء بأي ثمن، مثل الرشوة الصغيرة أو المحسوبية أو القبول بأوضاع لم تكن مقبولة من قبل”، محذرة من أن أخطر ما في هذه التحولات أنها تمس القيم اليومية للمجتمع على المدى البعيد.
- مؤشرات تستحق المتابعة
وبشأن ما يجب التوقف عنده في هذه المرحلة، قالت دبّوب إن هناك مجموعة من المؤشرات الاجتماعية التي تستحق المراقبة بجدية، من بينها اتساع لجوء الموظفين إلى أعمال إضافية غير مستقرة، وارتفاع الشكاوى اليومية من أسعار السلع الأساسية، خصوصًا الخبز والدواء والوقود، مقارنة بمستويات الدخل.
كما أشارت إلى أن تزايد قصص الهجرة أو “الحرقة”، وارتفاع منسوب الغضب أو اليأس في أحاديث الناس وعلى وسائل التواصل، فضلًا عن أي ضغط إضافي على الخدمات العامة أو ارتفاع في النزاعات المحلية، كلها مؤشرات لا ينبغي التعامل معها باستخفاف.
- ما بعد السوق
وبينما يتركز الحديث العام غالبًا على الأسعار والدخل، تبدو الصورة، من زاوية اجتماعية، أوسع من ذلك بكثير ، فالأزمة ، بحسب هذه القراءة، لا تُقاس فقط بما ارتفع من أسعار، بل أيضًا بما قد تتركه من أثر على العلاقات داخل المجتمع، وعلى قدرة الناس على الاحتمال، وعلى نظرتهم إلى المستقبل.
وفي ظل استمرار هذا الضغط من دون معالجات واضحة وملموسة، يبقى التخوف قائمًا من أن يتحول الغلاء، تدريجيًا، من أزمة معيشية إلى أزمة اجتماعية أعمق، يصعب احتواؤها إذا تُركت تتراكم بصمت.
( وال)