Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

تحديات التخطيط العمراني والخبرات العملية : بين فوضى التنفيذ وضرورات الإصلاح .

نشر بتاريخ:

 بنغازي 23 مارس 2026 (  وال ) – يتصاعد الجدل في الأوساط الفنية والأكاديمية حول واقع التخطيط العمراني في ليبيا، في ظل ما توصف به المرحلة الحالية من اختلالات هيكلية وتجاوزات تنفيذية ألقت بظلالها على شكل المدن وجودة الحياة فيها، وسط دعوات متزايدة لإعادة ضبط المسار وفق أسس علمية ومعايير دولية.

 وترى خبيرة هندسة تخطيط المدن، أ.م خيرية بالة، أن الإشكال لا يكمن في غياب الرؤى التخطيطية بقدر ما يتمثل في الفجوة بين المخططات المعتمدة وآليات تنفيذها على الأرض، مشيرة إلى أن “الممارسات العشوائية والتجاوزات المتكررة أفرغت كثيرًا من المخططات من مضمونها، وأنتجت واقعًا حضريًا مشوهًا يفتقر إلى الاستدامة”.

 فوضى التنفيذ… أصل الأزمة .

 وتوضح بالة أن التوسع العمراني في عدد من المدن الليبية، ومنها بنغازي، يتم في كثير من الأحيان خارج الأطر التخطيطية المعتمدة، ما يؤدي إلى ضغط متزايد على البنية التحتية، وتراجع نصيب الفرد من الخدمات الأساسية والفضاءات العامة.

 وأضافت أن “المدن لا تفقد توازنها فجأة، بل نتيجة تراكم قرارات غير منضبطة، سواء في منح التراخيص أو في التغاضي عن المخالفات”، محذرة من أن استمرار هذا النهج يهدد بتحويل المشكلات الحالية إلى أزمات هيكلية يصعب معالجتها مستقبلًا.

 مخاطر بيئية وجيولوجية تهدد المدن .

 وفي قراءة للواقع الميداني، أشارت إلى أن بعض التحديات لم تعد نظرية، بل تحولت إلى مخاطر مباشرة، لافتة إلى أن “الظواهر الجيولوجية مثل التجاويف الأرضية (الكارست) باتت تشكل تهديدًا حقيقيًا للبنية التحتية،.

 كما نبهت إلى تفاقم مشكلة ارتفاع منسوب المياه الجوفية داخل التجمعات الحضرية، معتبرة أن “غياب المعالجة الهندسية المتكاملة لهذه الظاهرة قد يؤدي إلى أضرار جسيمة في المباني والطرق وشبكات الصرف”.

 الأراضي الرطبة… ثروة مهددة .

 وأكدت بالة أن التوسع العمراني غير المنضبط طال أيضًا الأراضي الرطبة، رغم أهميتها البيئية، موضحة أنها “تشكل نظامًا حيويًا متكاملًا يسهم في حفظ التنوع البيولوجي، وتنظيم الدورة المائية، وامتصاص الكربون، فضلًا عن دورها في حماية السواحل وتحسين جودة المياه”.

 وأضافت أن “التعامل مع هذه المناطق بوصفها أراضي قابلة للاستغلال العمراني فقط، يعد خسارة بيئية واقتصادية مزدوجة”.

 الفضاءات الخضراء… نصيب يتآكل .

 وفي سياق متصل، أشارت إلى أن المدن الليبية تشهد تراجعًا ملحوظًا في المساحات الخضراء، نتيجة التنفيذ المخالف للمخططات، مؤكدة أن “نصيب الفرد من هذه الفضاءات وصل في بعض المناطق إلى مستويات متدنية جدًا مقارنة بالمعايير العالمية، ما ينعكس سلبًا على الصحة العامة وجودة الحياة”.

 التخطيط بين المحلي والدولي .

 وشددت بالة على أهمية ربط التخطيط العمراني في ليبيا بالأطر الدولية الحديثة، موضحة أن “تبني مبادئ الأجندة الحضرية الجديدة يتيح توجيه التوسع العمراني بشكل يحقق التوازن بين التنمية وحماية الموارد، ويعزز فرص جذب الاستثمارات”.

 وأضافت أن “الالتزام بهذه المعايير ليس ترفًا، بل ضرورة لضمان حقوق الأجيال القادمة في مدن قابلة للعيش”.

 اختلالات مؤسسية وتشريعية .

 وترى أن أحد أبرز معوقات الإصلاح يتمثل في الجمود المؤسسي وتضارب الاختصاصات، إلى جانب تشتت القوانين المنظمة لقطاع التخطيط، قائلة إن “تعدد المرجعيات القانونية وغياب التنسيق بينها يؤديان إلى تعطيل التنفيذ وفتح المجال للاجتهادات الفردية”.

كما لفتت إلى إشكالية نقص البيانات، موضحة أن “كل جهة تمتلك جزءً  من المعلومات، ما ينتج قرارات مبنية على معطيات ناقصة، في حين أن الحل يكمن في إنشاء منظومة معلومات مركزية ومتكاملة”.

 الاستفادة من التجارب الدولية .

 وفي هذا الإطار، أكدت بالة أن معالجة التحديات الحالية تتطلب الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، مع مراعاة خصوصية الواقع الليبي، موضحة أن “نقل التجارب لا يعني استنساخها، بل إعادة توظيفها بما يتناسب مع السياق المحلي، عبر ما يمكن تسميته بالهندسة العكسية للحلول”.

 نحو حوكمة فعالة لقطاع الأراضي .

 ودعت إلى الإسراع في وضع إطار مؤسسي واضح لإدارة الأراضي، يقوم على الكفاءة المهنية والتوصيف الوظيفي الدقيق، مؤكدة أن “اختيار الكفاءات يجب أن يستند إلى الجدارة والخبرة، خاصة في المواقع ذات الطابع الفني والتشريعي المرتبط بالتمثيل الدولي”.

 كما شددت على أهمية إنشاء كيان وطني موحد لإدارة الأراضي، يتولى حماية الملكية العقارية وتوحيد قواعد البيانات، مشيرة إلى أن “رقمنة المعلومات العقارية تمثل خطوة أساسية للحد من التعديات وضمان استقرار المنظومة”.

 المخطط العام… المرجعية الغائبة .

 وأكدت بالة أن إعادة الاعتبار للمخططات الحضرية كمرجعية عليا تمثل حجر الزاوية في أي إصلاح مرتقب، موضحة أن “إضعاف سلطة المخطط العام لصالح قرارات استثنائية أو ضغوط آنية هو أحد أسباب الفوضى الحالية”.

 خاتمة: إصلاح مؤجل أم ضرورة عاجلة؟

 واختتمت خبيرة التخطيط العمراني تصريحاتها بالتأكيد على أن “إصلاح هذا القطاع لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة تفرضها التحديات البيئية والاقتصادية والاجتماعية”، مشيرة إلى أن “نجاح أي رؤية مستقبلية يتوقف على القدرة على وقف التجاوزات، وتحديث المخططات، وتبني حوكمة رشيدة تضمن استدامة المدن الليبية”.

 ويبقى التساؤل مطروحًا، في ظل هذا الواقع المعقد: هل تتجه مؤسسات الدولة نحو إصلاح جذري يعيد الانضباط للمشهد العمراني؟ أم تستمر المدن في التوسع خارج حسابات التخطيط؟ 

وال بنغازي ..