البحث العلمي في ليبيا بين محدودية الدور ومتطلبات التحول إلى جامعات مؤثرة في صنع السياسات .
نشر بتاريخ:
متابعة : أحلام الجبالي
بنغازي 15 مارس 2026 م (وال) - في ظل تعقّد التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه ليبيا، يتجدد النقاش حول الدور الذي ينبغي أن يؤديه البحث العلمي في تشخيص المشكلات الوطنية واقتراح الحلول المناسبة لها، خاصة في وقت يرى فيه مختصون أن الجامعات الليبية لا تزال بعيدة عن أداء هذا الدور الحيوي.
وفي هذا السياق، قال رئيس الجمعية الليبية للجودة والتميز في التعليم، حسين سالم مرجين، إن مسألة تفعيل البحث العلمي في معالجة القضايا المجتمعية طُرحت سابقًا خلال لقاءات مع عدد من الجامعات الليبية، بهدف دعوة هذه المؤسسات إلى الانتقال نحو ما يُعرف بالجيل الرابع من الجامعات، الذي يجعل الجامعة جزءًا فاعلًا في صناعة السياسات العامة للمجتمع.
- البحث العلمي في ليبيا… بين الترقية الأكاديمية وحل مشكلات المجتمع
وأوضح مرجين في تصريح لوكالة الأنباء الليبية أن موقع البحث العلمي في ليبيا بقي شبه ثابت منذ سنوات، إذ يُنظر إليه في الغالب كوسيلة للترقيات الأكاديمية لدى أعضاء هيئة التدريس، أو كمسار للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه بالنسبة للطلبة، وهو ما جعل مؤسسات الدولة لا تعتمد عليه بشكل كافٍ في معالجة مشكلاتها المتراكمة.
وأضاف أن هذا الواقع أسهم في ترسيخ فجوة بين الجامعات ومؤسسات الدولة، حيث لا يزال اللجوء إلى البحث العلمي خيارًا ثانويًا في معالجة القضايا المجتمعية، رغم قدرته على تقديم تشخيص علمي دقيق وحلول عملية قائمة على البيانات والتحليل.
- الجامعات الليبية وتحدي التحول إلى الجيل الرابع
وأشار مرجين إلى أن التحول نحو الجامعات من الجيل الرابع يتطلب تغييرًا في فلسفة العمل الأكاديمي، بحيث لا يقتصر دور الجامعة على التدريس وإنتاج البحوث العلمية لأغراض الترقية، بل يمتد ليشمل المشاركة الفاعلة في صياغة السياسات العامة والمساهمة في معالجة القضايا التنموية ، مبينا أن هذا التحول يحتاج إلى إعادة توجيه البحوث العلمية نحو قضايا المجتمع، وتعزيز الشراكات بين الجامعات ومؤسسات الدولة، بما يتيح توظيف المعرفة العلمية في دعم عملية اتخاذ القرار.
- فجوة بين مؤسسات الدولة والبحث العلمي
ولفت مرجين إلى أن المشكلة لا تقتصر على الجامعات وحدها، بل تمتد أيضًا إلى مؤسسات الدولة التي لم تمنح البحث العلمي المساحة الكافية ليؤدي دوره الطبيعي في التشخيص والتحليل واقتراح الحلول.
وأوضح أن كثيرًا من المسؤولين لا يزالون يفتقرون إلى ثقافة الاستناد إلى نتائج البحوث العلمية في معالجة القضايا المختلفة، ما يجعل عملية صنع القرار منفصلة في كثير من الأحيان عن الأطر الأكاديمية والبحثية.
- تجربة زليتن… نموذج عملي لدور البحث العلمي
ورغم هذه التحديات، أشار مرجين إلى وجود تجارب ناجحة تؤكد أهمية البحث العلمي في معالجة المشكلات الواقعية، مستشهدًا بتجربة الاستعانة بالهيئة الليبية للبحث العلمي في التعامل مع مشكلة ارتفاع منسوب المياه في مدينة زليتن.
وأوضح أن مكتب النائب العام طلب من الهيئة التدخل لدراسة الظاهرة، حيث تم تشكيل فريق علمي مختص تولى تحليل المشكلة ميدانيًا وإعداد دراسة متكاملة تضمنت تشخيصًا علميًا دقيقًا وحلولًا مقترحة لمعالجتها.
وأضاف مرجين، الذي تولّى تنسيق الفريق العلمي، أن نتائج الدراسة لاقت تقديرًا كبيرًا من قبل مكتب النائب العام، مشيرًا إلى أن دقة التحليل والتشخيص فاقت – في بعض الجوانب – ما قدمه فريق أجنبي استعانت به الحكومة لدراسة المشكلة.
- الهيئة الليبية للبحث العلمي كمركز تفكير وطني
وبيّن مرجين أن هذه التجربة عززت ثقة مكتب النائب العام في الهيئة الليبية للبحث العلمي كمركز تفكير وطني قادر على تقديم معالجات علمية للمشكلات المعقدة، الأمر الذي دفعه لاحقًا إلى الاستعانة بها في قضايا أخرى، من بينها مشكلة المياه في الجنوب، والتصدعات في مجمع مليتة الصناعي، إضافة إلى الحرائق التي شهدتها مدينة الأصابعة.
- تشريعات غائبة تعطل توظيف المعرفة العلمية
وأكد مرجين أن تفعيل دور البحث العلمي يتطلب مراجعة التشريعات والسياسات العامة في الدولة الليبية، بحيث يصبح البحث العلمي شريكًا أساسيًا في معالجة القضايا الوطنية بدلاً من اعتباره نشاطًا ثانويًا أو وسيلة للامتيازات الأكاديمية ، مشددا على ضرورة تخصيص ميزانيات واضحة لدعم المشاريع البحثية وتمويل الدراسات العلمية التي تتناول قضايا المجتمع، بما يسهم في تعزيز دور الجامعات ومراكز البحوث في دعم التنمية الوطنية.
- الاستراتيجية الوطنية للبحث العلمي… مشروع ينتظر الاعتماد
وفي سياق متصل، أشار مرجين إلى أن الاستراتيجية الوطنية للبحث العلمي لا تزال منذ عام 2023 قيد الانتظار لدى مجلس النواب دون اعتمادها حتى الآن، وهو ما يعكس ضعف الالتزام المؤسسي بتفعيل البحث العلمي كشريك رئيسي في معالجة القضايا الوطنية.
وأوضح أن اعتماد هذه الاستراتيجية وتنفيذها من شأنه أن يوفر إطارًا قانونيًا ومؤسسيًا يعزز التعاون بين مؤسسات الدولة والجامعات ومراكز البحوث، ويسهم في توظيف البحث العلمي بشكل أفضل في صناعة السياسات العامة.
- نحو جامعات ليبية من الجيل الخامس ذات أثر مجتمعي
واختتم مرجين تصريحه بالتأكيد على أن التحديات التي تواجه البحث العلمي في ليبيا لا تزال كبيرة، إلا أن وجود نماذج ناجحة للتعاون بين المؤسسات البحثية والجهات الحكومية يثبت أن تفعيل هذا القطاع يمكن أن يسهم بشكل ملموس في ترسيخ الأمن المجتمعي وتحسين جودة الحياة للمواطنين.
وأضاف أن نقل الجامعات الليبية إلى ما يُعرف بالجيل الخامس من الجامعات، التي تمتلك أثرًا مجتمعيًا مباشرًا، يتطلب إرادة مؤسسية وتشريعية حقيقية تجعل المعرفة العلمية في صميم عملية صنع القرار.
وفي ظل ما تواجهه البلاد من تحديات متراكمة في مختلف القطاعات، يرى مختصون أن إعادة الاعتبار للبحث العلمي لم تعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة ملحّة لتمكين الجامعات ومراكز البحوث من أداء دورها الحقيقي في تشخيص المشكلات الوطنية واقتراح الحلول. ويؤكدون أن الاستثمار في المعرفة العلمية، واعتماد نتائج الدراسات في صناعة القرار، يمكن أن يشكّل خطوة مهمة نحو بناء سياسات أكثر كفاءة، وتعزيز قدرة الدولة على التعامل مع القضايا المعقدة بروح علمية ومنهجية. .
( وال)