Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

معامل الوجبات المنزلية: مشاريع نسائية تحول الطبخ إلى مصدر دخل .

نشر بتاريخ:

 طرابلس 08 مارس 2026 (وال) - شهدت المدن الليبية خلال العقد الأخير انتشاراً ملحوظاً لمعـامل إعداد الوجبات الجاهزة والأكلات الشعبية، في ظاهرة تعكس تحولات واضحة في نمط الحياة اليومية. فبعد أن كان المطبخ المنزلي يشكّل ركناً أساسياً في الثقافة الاجتماعية الليبية، حيث كانت العائلات تحرص على إعداد وجباتها داخل البيت وتعدّ ذلك جزءاً من تقاليدها الراسخة، بدأت مظاهر جديدة تظهر مع تسارع إيقاع الحياة وتغير العادات الاجتماعية.

 ويعزو متابعون هذا التحول إلى عوامل عدة، من بينها انتشار القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي، واتساع مشاركة المرأة في سوق العمل، إلى جانب الضغوط الاقتصادية التي دفعت كثيراً من الأسر إلى البحث عن حلول أسرع لإعداد الطعام. ولم تكن المطاعم في ليبيا حتى ثمانينيات القرن الماضي منتشرة بالقدر الذي هي عليه اليوم؛ إذ يذكر سكان طرابلس القديمة أن مطعماً واحداً فقط كان يحظى بشهرة واسعة آنذاك هو "مطعم البرعي" في المدينة القديمة، في وقت كان فيه معظم الليبيين يفضلون تناول طعامهم في بيوتهم.

 وفي ظل هذا التحول الاجتماعي، بدأت معامل صغيرة للمأكولات المنزلية بالظهور داخل الأحياء السكنية، يدير كثيراً منها نساء حوّلن مهارات الطبخ التقليدية إلى مشاريع إنتاجية صغيرة. وفي أحد الأزقة الهادئة بحي غوط الشعال، أحد أكبر الأحياء السكنية في الضاحية الغربية لطرابلس، تبرز تجربة لطفية عز الدين مثالاً على هذا التحول.

 منذ ساعات الصباح الأولى تبدأ لطفية يومها داخل معملها الصغير الذي يحمل اسم "جنا للمأكولات الليبية". تتحرك الأيادي بسرعة، وتتصاعد روائح الطاجين والبوريك والمعجنات، في مشهد يعكس قصة امرأة قررت تحويل شغفها القديم بالطبخ إلى مشروع إنتاجي، في وقت تتصاعد فيه التحديات الاقتصادية في ليبيا.

 وتقول لطفية إن فكرة افتتاح المعمل لم تكن وليدة اللحظة، بل هي حلم قديم راودها منذ الصغر. فقد كانت تحب الطبخ وتعتبره مساحة للإبداع والتعبير، ومع تشجيع العائلة والمحيطين بها قررت في شهر رمضان الماضي أن تبدأ مشروعها فعلياً، مستعينة بعاملتين لمساعدتها في تلبية الطلب المتزايد.

 وتوضح أن اختيار شهر رمضان كبداية للمشروع لم يكن مصادفة، إذ يمثل هذا الشهر موسماً مهماً للأكلات الليبية التقليدية، حيث تزداد الحاجة إلى الأطباق الجاهزة مع تغير نمط الحياة اليومية، خصوصاً مع انشغال الكثير من الأسر بالعمل والالتزامات المختلفة.

 يقدم المعمل قائمة متنوعة من المأكولات الشعبية التي تحظى بإقبال الزبائن، من بينها البوريك بالجبن، والطاجين، والمبطن، والمسقي،(أطباق الكسكسي والأرز والرشتة والفتات) والشوربة الليبية، فضلاً عن المعجنات والبيتزا وبعض المخبوزات التقليدية.

 وتشير لطفية إلى أن خصوصية شهر رمضان تظهر في تركيز الزبائن على ما تصفه بـ"الأكلات الزمنية" المرتبطة بسفرة الإفطار الليبية، مثل البوريك والطاجين والمحاشي، التي تكاد تكون حاضرة يومياً على الموائد خلال هذا الشهر.

 وتضيف: "كل يوم أجهز نحو خمسين قطعة من كل صنف، ونحاول تنويع القائمة يومياً بين ثلاثة أصناف من المعجنات وثلاثة أطباق ساخنة وثلاثة أصناف من المسقي". وتوضح أن الطلب يزداد في الأيام الأخيرة من رمضان، عندما تنشغل العائلات بالتسوق لعيد الفطر، فيلجأ كثير منها إلى حجز وجبات الإفطار الجاهزة.

 لكن الطريق لم يكن خالياً من الصعوبات. فارتفاع أسعار المواد الخام يشكّل التحدي الأكبر أمام المشروع. تقول لطفية إن سعر الدقيق الأبيض وصل إلى نحو 29 ديناراً، فيما بلغ سعر زيت الطهي المستخدم بشكل كبير حوالي 15 ديناراً، وهي زيادات أثرت بشكل مباشر في تكلفة الإنتاج.

 ورغم ذلك، تحرص هذه السيدة، حسب قولها، على مراعاة ظروف الزبائن، إذ قامت بتخفيض أسعار بعض الأصناف مثل الطاجين والبوريك والمبطن. وتقول: "الربح مهم، لكن الأهم أن نحسّ بظروف الناس. نحن نعيش جميعاً نفس الأزمة المرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الدينار".

 وفي ظل هذه التحديات، أصبح المشروع أيضاً فرصة عمل لعدد من النساء. فقد دعمت لطفية فريق العمل بعاملتين إضافيتين خلال شهر رمضان بسبب زيادة الطلب، إضافة إلى عاملة للنظافة، تؤكد أنها عنصر أساسي في نجاح أي مشروع يتعلق بإعداد الطعام.

 وتعكس قصة لطفية واقع عدد متزايد من النساء الليبيات اللائي اتجهن خلال السنوات الأخيرة إلى المشاريع الصغيرة، خصوصاً في مجال المأكولات الشعبية، باعتباره قطاعاً يسمح لهن باستثمار مهاراتهن التقليدية في الطبخ وتحويلها إلى مصدر دخل.

 وخلال زيارة ميدانية للمعمل، رافق فريق من وكالة الأنباء الليبية لطفية في إعداد بعض الأطباق، بينها طاجين الجبن والبوريك والمبطن والمعجنات الخاصة بسفرة رمضان، كما استطلع آراء بعض الزبائن.

 يقول نور الدين محمد (60 عاماً) إنه يأتي إلى المعمل ثلاث مرات على الأقل في الأسبوع لشراء وجبة الإفطار، موضحاً أنه يعيش بمفرده ولا يرغب في الإكثار من زيارة بيوت أقاربه. أما سالمة علي، فأوضحت أنها جاءت لشراء وجبة إفطار لها ولأسرتها أثناء إقامتها المؤقتة في طرابلس لعلاج ابنتها في أحد المستشفيات.

 تعكس تجربة لطفية عز الدين صورة مصغرة لتحول اجتماعي واقتصادي تشهده ليبيا اليوم، حيث تتحول مهارات المطبخ التقليدي إلى مشاريع صغيرة تسهم في توفير دخل للعائلات وتلبية احتياجات المجتمع المتزايدة للوجبات الجاهزة.

 ورغم بساطة الإمكانات وضغوط الأسعار، تواصل هذه المعامل الصغيرة عملها معتمدة على سمعة "الطعم المنزلي" الذي يثق به الزبائن. وبين نار الطهي وارتفاع التكاليف، تبقى قصص أصحاب هذه المشاريع دليلاً على قدرة الليبيين على التكيف مع الظروف الصعبة، وتحويل التحديات الاقتصادية إلى فرص للعمل والإنتاج. 

(وال) ...

 متابعة وتصوير: أميرة التومي – ساسية اعميد – زهرة الفيتوري .