Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

اشتعال الأسعار في السوق الليبي مطلع رمضان يكشف عمق أزمة الدينار وعجز المعالجات الحكومية .

نشر بتاريخ:

 طرابلس 21 فبراير 2025 (وال) - لم تكن الزيادات التي شهدتها الأسواق الليبية قبيل شهر رمضان سوى مقدمة لموجة جديدة من الغلاء، إذ لاحظ مراسل لوكالة الأنباء الليبية (وال) أن سعر الكيلوغرام من الدجاج – قبل التنظيف – في طرابلس سجّل أمس الجمعة، في ثاني أيام الشهر الفضيل، 23 دينارًا، وهو رقم غير مسبوق في السوق المحلية. ويؤكد تجار ومستهلكون أن وتيرة الارتفاع في كافة المواد لا تزال مستمرة، ما يعكس حالة من الاشتعال السعري المتصاعد، بالتوازي مع استمرار تراجع قيمة الدينار الليبي أمام الدولار في السوق الموازية.

 ورغم أن شهر رمضان يشهد عادة ارتفاعًا موسميًا في الطلب على السلع الغذائية، فإن ما يحدث هذا العام يتجاوز بكثير حدود الزيادة التقليدية المرتبطة بالاستهلاك المرتفع. فالمفارقة أن الأسعار لم تتوقف عند مستويات ما قبل رمضان، بل واصلت الصعود خلال الأيام الأولى منه، ما يشير إلى خلل أعمق في المنظومة الاقتصادية.

 ** دينار يتراجع… وأسواق تفقد توازنها .

 يتزامن هذا الارتفاع مع تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية حاجز العشرة دنانير، في مؤشر واضح على استمرار الضغوط على العملة المحلية. ويرى خبراء اقتصاديون أن العلاقة بين سعر الصرف والأسعار المحلية في ليبيا علاقة مباشرة وسريعة التأثر، نظرًا لاعتماد البلاد شبه الكامل على الواردات لتغطية احتياجاتها الغذائية والاستهلاكية.

 ويقول مختصون في الشأن المالي إن أي ارتفاع في سعر الدولار ينعكس فورًا على تكاليف الاستيراد، ومن ثم على أسعار البيع للمستهلك النهائي، في ظل غياب بدائل إنتاجية محلية كافية. ويؤكد هؤلاء أن استمرار انهيار الدينار لا يرتبط فقط بعوامل خارجية، بل يعكس اختلالات داخلية واضحة، في مقدمتها توسع الإنفاق العام وغياب سياسات نقدية منضبطة.

** بيع النفط مستمر… فأين تكمن الأزمة؟

 تطرح الأزمة الحالية تساؤلات جوهرية، خاصة أن ليبيا ما تزال تصدّر النفط وتحقق عائدات مالية كبيرة نسبيًا مقارنة بدول أخرى في المنطقة. غير أن خبراء يرون أن المشكلة لا تكمن في حجم الإيرادات النفطية بقدر ما تكمن في طريقة إدارتها وتوزيعها.

 فبحسب محللين، فإن استمرار الانقسام المؤسسي والازدواجية في بعض مفاصل الدولة يؤثران على كفاءة إدارة الموارد، ويضعفان الثقة في السياسة المالية والنقدية. كما أن التوسع في بند المرتبات والدعم والتحويلات دون مقابل إنتاجي حقيقي يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية في السوق، ما يرفع الطلب على العملة الأجنبية ويضغط على سعر الصرف.

 ويضيف خبراء أن الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية تفتح الباب أمام المضاربة  ، بل وتخلق حوافز لتسعير السلع على أساس السعر الموازي حتى في حال الحصول على العملة الأجنبية بسعر رسمي، وهو ما يضاعف الأعباء على المواطن.

 ** عجز حكومي واضح وإجراءات غير كافية .

 في ظل هذه التطورات، يرى مراقبون أن الحكومة تبدو عاجزة عن كبح جماح الأسعار أو فرض رقابة فعالة على الأسواق. فالإجراءات المتخذة حتى الآن، سواء عبر حملات التفتيش أو الوعود بضبط الأسعار، لم تنجح في إحداث استقرار ملموس، بل إن المؤشرات الميدانية تؤكد استمرار الارتفاع.

 ويشير اقتصاديون إلى أن الحل لا يكمن في المعالجات المؤقتة أو القرارات الإدارية، بل في إصلاحات هيكلية تشمل ضبط الإنفاق العام، وتوحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلالية السياسة النقدية، إلى جانب تشجيع الإنتاج المحلي للسلع الأساسية لتقليل الاعتماد على الاستيراد.

**  المواطن بين مطرقة الغلاء وسندان الدخل الثابت .

 في المقابل، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فمعظم الأسر تعتمد على دخل ثابت لا يتغير بالوتيرة نفسها التي ترتفع بها الأسعار، ما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية بشكل متسارع. ويؤكد مواطنون أن ميزانيات رمضان هذا العام تضاعفت تقريبًا مقارنة بالعام الماضي، في وقت لم تشهد فيه الرواتب أي زيادات تذكر.

**  تفاعل واسع على مواقع التواصل .

 ورصد مراسل (وال) في هذا الصدد أن وصول سعر كيلو الدجاج إلى 23 دينارًا لم يمرّ مرور الكرام على الليبيين، إذ تحوّل الرقم إلى مادة يومية للتعليقات الساخرة والناقمة على صفحات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر كثيرون عن استيائهم من استمرار ارتفاع الأسعار في الأيام الأولى من رمضان.

 وتكشف هذه التعليقات، على اختلاف نبرتها بين السخرية والدعاء والغضب، برأي المراقبين، عن حالة احتقان شعبي متزايدة، خصوصًا لدى أصحاب الدخل الثابت والمتقاعدين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع ارتفاع الأسعار دون أي زيادة في الرواتب أو تحسن في القدرة الشرائية.

 ويرى هؤلاء المراقبون أن مواقع التواصل الاجتماعي باتت تعكس بوضوح المزاج العام في الشارع الليبي، حيث تتحول الأرقام الاقتصادية إلى قصص يومية عن معاناة حقيقية، ويصبح سعر الدجاج رمزًا لاختلال أعمق في ميزان المعيشة والاستقرار الاقتصادي.

 ويرى محللون أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى مزيد من الضغوط الاجتماعية، خاصة إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة تعيد شيئًا من الاستقرار إلى سعر الصرف وتحد من موجة الغلاء.

 ومع دخول الأيام الأولى من شهر رمضان، تبدو الأسواق الليبية أمام اختبار حقيقي، فيما تترقب الأوساط الاقتصادية قرارات حاسمة تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط. فاستمرار ارتفاع سعر الدجاج إلى 23 دينارًا في ثاني أيام الشهر، على سبيل المثال، ليس مجرد رقم عابر، بل مؤشر على أزمة أعمق تتطلب رؤية اقتصادية شاملة وإرادة تنفيذية واضحة قبل أن تتسع دائرة التأثير. 

(وال) ..