Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

طرابلس تستيقظ بخطوات متثاقلة وتستقبل رمضان بهدوءٍ يليق بالشهر الفضيل .

نشر بتاريخ:

 طرابلس 19 فبراير 2026 (وال) - استيقظت طرابلس، ومعها سائر المدن والقرى الليبية، على وقع خطوات متثاقلة في اليوم الأول من شهر رمضان المبارك. كان المشهد مختلفًا عن الأيام المعتادة؛ فإيقاع الحياة بدا أبطأ، والنشاط اليومي اتخذ طابعًا هادئًا يتماشى مع خصوصية الشهر الكريم وروحانيته. وقد ساهم قرار التوقيت الرمضاني الرسمي، الذي حدد ساعات العمل من العاشرة صباحًا حتى الثالثة بعد الظهر، في إعادة تشكيل المشهد الصباحي للعاصمة، مانحًا الناس فسحة أطول للراحة بعد السحور وصلاة الفجر.

 في الساعات الأولى من الصباح، بدت شوارع طرابلس شبه خالية. عند الساعة الثامنة تحديدًا، كان الهدوء يلف الأحياء الرئيسية والطرقات الحيوية التي اعتادت على ازدحام السيارات وحركة المارة. غابت الضوضاء المعتادة، وانخفضت وتيرة الحركة إلى حد ملحوظ، حتى ليخيل للناظر أن المدينة ما تزال تغفو تحت سماء رمضانية ساكنة.

 ومن أبرز الملامح التي غابت عن المشهد الصباحي رائحة القهوة التي طالما ملأت الأجواء في الأيام العادية. لم تعد رائحة "المكياطة" و"الإسبريسو" و"الكابتشينو" تعبق في الشوارع كما جرت العادة، بعد أن أغلقت المقاهي أبوابها التزامًا بحرمة الشهر الكريم. فالمقاهي التي كانت تمثل محطات صباحية أساسية للموظفين والطلبة، بدت موصدة، وكأنها تؤجل ضجيجها اليومي إلى ما بعد أذان المغرب.

 كما غابت أصوات الطلبة التي كانت تملأ محيط المدارس في مثل هذا التوقيت. لم يكن هناك ازدحام أمام البوابات، ولا تجمعات أولياء الأمور، ولا حركة حافلات مدرسية تضفي على الصباح حيويته المعتادة. وبدا واضحًا أن انتظام اليوم الدراسي قد تأثر بالتوقيت الرمضاني، ما انعكس مباشرة على انسيابية المرور وخفّة الحركة في الشوارع الرئيسية.

 ومع اقتراب الساعة العاشرة صباحًا، بدأت المدينة تستعيد شيئًا فشيئًا نبضها المعتاد. خرج الموظفون متوجهين إلى مقار أعمالهم وفق التوقيت الجديد، إلا أن حركة السيارات ظلت أقل من المعتاد. فحتى بعد بدء الدوام الرسمي، لم تبلغ الكثافة المرورية مستوياتها الطبيعية، وبقيت الطرقات أكثر سلاسة وانسيابًا مقارنة ببقية شهور السنة.

 في المقابل، كان لافتًا أن أول الجهات التي باشرت نشاطها مبكرًا هي معامل إعداد الأطعمة الجاهزة. فمنذ سنوات، شهدت طرابلس وعدد من المدن الليبية انتشارًا واسعًا لهذه المعامل التي تتخصص في إعداد المأكولات الشعبية المرتبطة بشهر رمضان. ومع حلول أول أيام الصيام، بدأت هذه المحال في استقبال الزبائن الراغبين في حجز وجبات الإفطار أو شراء أصناف جاهزة توفر عليهم عناء الطهي.

 وتتنوع هذه الأطعمة بين الشوربات التقليدية، وأطباق البوريك، والمعجنات، والحلويات الرمضانية، وغيرها من الأصناف التي تُصبح جزءًا من المائدة الليبية في هذا الشهر. ويعكس الإقبال المتزايد على هذه المعامل تحولات اجتماعية واقتصادية شهدها المجتمع الليبي خلال السنوات الأخيرة، حيث باتت الأسر تميل إلى الاستعانة بالوجبات الجاهزة، سواء لضيق الوقت أو لتخفيف الأعباء المنزلية.

 ورغم الهدوء الذي طغى على الساعات الأولى من النهار، فإن روح رمضان كانت حاضرة بقوة في تفاصيل المشهد العام. فالمحال التجارية التي فتحت أبوابها بدت أكثر تنظيمًا، والناس تحركوا بوتيرة أبطأ، يغلب عليها الطابع التأملي والسكينة. كما لوحظ التزام عام بأجواء الشهر، سواء في احترام مشاعر الصائمين أو في تقليص مظاهر الحياة الصاخبة التي تميز الأيام العادية.

 ويُتوقع أن يتغير هذا المشهد تدريجيًا مع تقدم أيام الشهر، إذ تعتاد المدينة على نسقها الرمضاني الجديد. فالحركة غالبًا ما تنتقل إلى ساعات ما بعد الإفطار، حيث تنشط الأسواق، وتزدحم الشوارع، وتمتلئ المقاهي بروادها في أجواء اجتماعية تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل.

 عكست الساعات الأولى من اليوم الأول لرمضان في طرابلس صورة مدينة أعادت ترتيب أولوياتها بما يتناسب مع قدسية الشهر. هدوء الصباح، وخفوت الأصوات، وتبدل الروتين اليومي، كلها ملامح تؤكد أن رمضان لا يغير مواعيد العمل فحسب، بل يعيد تشكيل إيقاع الحياة بأكمله، ليمنح الناس فرصة للتمهل، والتأمل، واستقبال أيامه بروح جديدة. 

(وال).