رمضان في ليبيا بين دفء العادة وضغوط المعيشة
نشر بتاريخ:
متابعة وتصوير- ساسية اعميد - أميرة التومي .
طرابلس 15 فبراير 2026 م (وال) - مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تتسارع في المدن الليبية وتيرة الاستعداد للشهر الفضيل، حيث تشهد الأسواق ازدحامًا ملحوظًا، وتتحول البيوت إلى خلايا عمل تحضيرًا لمائدة طالما ارتبطت بالهوية الاجتماعية والثقافية لليبيين. غير أن أجواء الترقب هذا العام تتزامن مع تحديات اقتصادية متصاعدة تلقي بظلالها على تفاصيل الاستعداد.
- "عولة رمضان"... تقليد متجدد
منذ النصف الثاني من شعبان، تبدأ كثير من العائلات في تحضير وتجهيز ما يُعرف بـ "عولة رمضان"، وهي عادة تقليدية تقوم على شراء وتخزين المواد الغذائية الأساسية قبل حلول الشهر ، وتشمل هذه الاستعدادات اقتناء البقوليات والمكسرات والتوابل، إضافة إلى تجفيف بعض الخضروات وتجميد اللحوم المحلية، تحسبًا لارتفاع الأسعار أو نقص بعض السلع.
ولا تقتصر التحضيرات على المواد الغذائية، بل تمتد إلى تجديد بعض أدوات المطبخ وشراء أوانٍ وأفرشة لجلسات الإفطار، كلٌّ وفق إمكانياته ، وغالبًا ما تجري هذه التحضيرات في أجواء عائلية تشاركية، حيث تتعاون القريبات والجارات في إعداد بعض الأصناف، بما يعزز روح التضامن الاجتماعي.
- زينة رمضان... فرحة رغم الظروف
وخلال العقدين الآخرين برزت بالتوازي مع التحضيرات الغذائية، مظاهر احتفالية بالشهر الفضيل تمثلت في تتزين المنازل بالإضاءات والفوانيس التي تُعلّق على الشرفات وفي غرف الأطفال ، ويحرص الصغار على اقتناء فوانيسهم الخاصة، فيما تسعى العائلات إلى الحفاظ على أجواء البهجة، ولو بحدود الإمكانات المتاحة.
- مائدة ليبية بطابع أصيل
ووفق الطقوس الليبية في هذا الشهر تبدأ مائدة الإفطار تقليديًا بالتمر والحليب والبسيسة عقب أذان المغرب، ثم تتنوع الأطباق بين الشربة الليبية، والبوريك، وأطباق شعبية مثل المبكبكة والكسكسي والعصبان على العشاء ، وتحضر الحلويات التقليدية، وعلى رأسها "الدبلة" بالعسل، كعنصر ثابت في كثير من البيوت ، أما وجبة السحور، فتغلب عليها الأطعمة الخفيفة مثل العصيدة برب التمر أو الحليب والتمر. وتظل المائدة الرمضانية في ليبيا أكثر من مجرد طعام، إذ تمثل مساحة للتلاقي الأسري وتبادل الأحاديث بعد يوم من الصيام.
- ارتفاع الأسعار يعيد ترتيب الأولويات
في المقابل، يؤكد عدد من المواطنين في استطلاع أجرته وكالة الأنباء الليبية في بعض أسواق العاصمة أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية ونقص السيولة أثّرا بشكل واضح على حجم الإنفاق هذا العام.
- عائشة محمد، أم لأربعة أطفال، تقول إنها اعتادت شراء احتياجات رمضان مبكرًا، لكنها فوجئت بزيادة كبيرة في الأسعار، ما دفعها إلى الاكتفاء بالضروريات. وتطالب بتشديد الرقابة على الأسواق وضبط الأسعار خلال الشهر الكريم.
أما أبرار فتحي فتشير إلى أن تكاليف الزينة ومستلزمات المطبخ أصبحت أعلى مقارنة بالسنوات الماضية، مضيفة أن كثيرًا من الأسر لم تعد قادرة على الحفاظ على مستوى الإنفاق ذاته.
من جهته، يوضح ناصر العماري، وهو أب لخمسة أطفال يتقاضى راتبًا قدره 2300 دينار، أن نقص السيولة وارتفاع الأسعار، إضافة إلى اختفاء بعض السلع مثل زيت الطهي، أجبره على إعادة ترتيب أولوياته. ويتحدث عن شكاوى متكررة من تخزين بعض التجار للسلع تمهيدًا لبيعها بأسعار مضاعفة خلال رمضان.
- ضغوط اقتصادية أعمق
ويربط اقتصاديون لهيب الأسعار بارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، في ظل تراجع قيمة الدينار الليبي خلال الفترة الأخيرة، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة. وتعتمد ليبيا بشكل شبه كلي على الاستيراد لتوفير احتياجاتها الغذائية والاستهلاكية، الأمر الذي يجعل السوق المحلية شديدة التأثر بتقلبات أسعار الصرف.
كما أن طبيعة الاقتصاد الليبي، المعتمد بصورة رئيسية على عائدات النفط كمورد أساسي للدخل، تجعله عرضة للصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية. ومع أي اضطراب في الإيرادات أو السياسات النقدية، تتزايد الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة أصحاب الدخل المحدود، في مواسم يرتفع فيها الطلب على السلع، مثل شهر رمضان.
وتؤكد فاطمة خالد أنها اكتفت هذا العام بالاحتياجات الأساسية، فيما تشير زهرة علي إلى أن العائلة، التي اعتادت التحضير المشترك للشهر، قررت تقليص النفقات والاكتفاء بما يتوفر.
- رمضان... روح تتجاوز الأزمات
ورغم التحديات الاقتصادية، لا تزال البيوت الليبية تحرص على استقبال رمضان بما تيسر من استعدادات، فيما يتمسك الأطفال بفوانيسهم، وتبقى موائد الإفطار مساحة للالتقاء والتكافل.
ففي نهاية المطاف، يظل رمضان في ليبيا شهرًا تتجدد فيه الروابط الاجتماعية، وتعلو فيه قيمة البساطة والتشارك، حتى في ظل أصعب الظروف المعيشية.
(وال)