Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

صبراتة… مدينة المتوسط العريقة بين عبق التاريخ وتحديات الحاضر

نشر بتاريخ:

 صبراتة 06 فبراير 2026 (وال) - على هامش مهرجان صبراتة السياحي ومعرض جالو للتمورالذي انطلقت فعالياته أمس الخميس ويستمر على مدى ثلاثة ايام، فتح مراقب آثار صبراتة، محمد أبو عجيلة، في حوار مع وكالة الأنباء الليبية، نافذة واسعة على تاريخ المدينة العريقة، وما تواجهه من تحديات تهدد إرثًا إنسانيًا ضاربًا في عمق التاريخ، ظل شاهدًا على تعاقب الحضارات منذ أكثر من ألفي عام.

 تقع مدينة صبراتة الأثرية على بعد نحو 70 كيلومترًا غرب العاصمة طرابلس، وتُعد إحدى أقدم المدن التاريخية في ليبيا، إذ أسسها الفينيقيون في القرن السادس قبل الميلاد، لتصبح لاحقًا واحدة من أهم مدن الساحل الليبي، إلى جانب قرطاج في تونس ولبدة الكبرى وأويا (طرابلس حاليًا). ولا تزال صبراتة تحتفظ بعدد من المعالم الفينيقية البارزة، من بينها النصب الفينيقي العائد إلى القرن الثالث قبل الميلاد، والذي ما زال قائمًا حتى اليوم بوصفه رمزًا للوجود الفينيقي في ليبيا.

 وشهدت المدينة ذروة ازدهارها خلال الحقبة الرومانية، حيث تحولت إلى مركز تجاري بحري مهم، بفضل مينائها المطل على البحر المتوسط، الذي كان حلقة وصل رئيسية بين إفريقيا وروما. ومن خلال طرق القوافل القادمة من عمق الصحراء الإفريقية ومدينة جرمة، كانت المنتجات الإفريقية تُنقل إلى ميناء صبراتة، ثم تُصدَّر إلى روما وبعض الإمبراطوريات الأوروبية عبر نظام المقايضة. ويؤكد هذا الدور التجاري اكتشاف لوحة فسيفساء في ميناء أوستيا قرب روما، تحمل نقشًا يشير إلى “رصيف مدينة صبراتة”، يتوسطه رسم فيل، في دلالة واضحة على تصدير المنتجات الإفريقية عبر هذه المدينة.

 وتتميّز صبراتة بمعالمها الأثرية المتنوعة، أبرزها المسرح الروماني الشهير، الذي يُعد من أجمل وأكمل المسارح في شمال إفريقيا، ولا يزال محافظًا على طابعه المعماري، ويُستخدم إلى اليوم في بعض التظاهرات الثقافية والفنية. كما تتميز المدينة بتخطيطها “الهيبودامي” القائم على الشوارع الطولية والعرضية المتقاطعة، التي تتخللها دور العبادة، والمساكن، والأسواق، والميدان العام الذي كان يحتضن الاحتفالات والتجمعات في العصور القديمة. وتضم صبراتة أيضًا حمامات رومانية عامة، تُعرف بحمامات البحر، إضافة إلى طرق أثرية وحلبة مصارعة تقع شرق المدينة، لكنها تحتاج إلى ترميم وصيانة عاجلة.

 في عام 1982، أدرجت منظمة اليونسكو مدينة صبراتة ضمن قائمة التراث العالمي، باعتبارها أحد أهم المواقع الأثرية التي ما زالت تحتفظ بملامحها الأصيلة. غير أن الظروف الأمنية التي مرت بها ليبيا خلال السنوات الماضية أدت إلى إدراج صبراتة، إلى جانب لبدة وشحات، ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.

 وأوضح أبو عجيلة أن “قائمة الخطر” لا تعني فقدان الموقع لقيمته، بل تمثل إنذارًا وضغطًا دوليًا موجّهًا إلى الجهات المختصة والحكومات المتعاقبة من أجل توفير الحماية والرعاية اللازمة لهذه المدن. وأشار إلى أن مدينة غدامس نجحت في الخروج من هذه القائمة بفضل تكاتف جهود مصلحة الآثار والمجتمع المدني والمؤسسات المحلية، وهو ما تسعى إليه اليوم صبراتة عبر شراكة تجمع مصلحة الآثار والبلدية والمجتمع المدني.

 وحول أبرز التحديات التي تواجه المدينة، أوضح مراقب الآثار أن معظمها ذو طابع فني وبيئي، في مقدمتها تقدّم مياه البحر التي تهدد بعض المعالم المطلة على الساحل، مثل الحمامات الرومانية ودور العبادة، إضافة إلى تأثير العوامل الجوية والتغيرات المناخية، كالرياح التي تُسرّع من عمليات التعرية، والنباتات العشوائية التي تشكل خطرًا على أرضيات الفسيفساء. كما أشار إلى أن حماية المدينة، التي تمتد على مساحة تُقدّر بنحو 40 هكتارًا، تتطلب إمكانات كبيرة تشمل الحراسة الراجلة، والحماية الإلكترونية، ووسائل النقل، في ظل محدودية الموارد.

 وأكد أبو عجيلة أن مدينة صبراتة، رغم كل التحديات، لم تشهد أية سرقات أو اعتداءات على آثارها خلال السنوات الماضية، بفضل جهود جهاز الشرطة السياحية وحماية الآثار، وتعاون العاملين بالمراقبة.

 وفي إطار استعادة النشاط الأثري والعلمي، أشار إلى عودة التعاون مع عدد من البعثات الأجنبية، من بينها جامعتا باليرمو وروما، بعد توقف اضطراري بسبب الأوضاع الأمنية، حيث تسهم هذه البعثات في أعمال الحفر والاكتشاف، وتقديم الخبرات والدورات التدريبية للمرممين والباحثين الليبيين.

 وتطرق مراقب آثار صبراتة إلى وضع المتاحف، موضحًا أنها لا تزال مغلقة منذ سنوات نتيجة الظروف الأمنية، إلا أن افتتاح المتحف الوطني في طرابلس شكّل مؤشرًا إيجابيًا على تحسن الأوضاع، وبداية مبادرات لإعادة افتتاح المتاحف في المدن الأخرى، ومن بينها متحف صبراتة، خاصة مع تزايد زيارات الوفود الرسمية والمجموعات السياحية.

 وأكد أن جميع مقتنيات متحف صبراتة ما زالت محفوظة، حيث جرى خلال عامي 2014 و2015 تشكيل لجان قامت بإخفاء القطع الأثرية في أماكن آمنة وسرية، والعمل ليلًا ونهارًا في ظروف بالغة الصعوبة للحفاظ عليها، معربًا عن أمله في افتتاح المتحف قريبًا لإعادة عرض هذه الكنوز أمام الزوار.

 واختتم أبو عجيلة حديثه بالتأكيد على أن حماية الإرث الثقافي مسؤولية جماعية، لا يمكن أن تضطلع بها مصلحة الآثار وحدها، داعيًا إلى دور فاعل للمجتمع المدني، وقطاع التعليم، والمؤسسات المحلية، وتنظيم المزيد من المهرجانات السياحية والبيئية والأنشطة التطوعية، من أجل إعادة صبراتة إلى مكانتها الطبيعية كإحدى أهم المدن الأثرية في حوض المتوسط، وقبلة للزوار والسياح من مختلف أنحاء العالم.

 (وال).