أخصائي اجتماعي ونفسي : تزايد معدلات الجريمة في ليبيا- أزمة مركبة وحلول مؤجلة
نشر بتاريخ:
متابعة: حنان الحوتي
بنغازي 18 يناير 2026 م (وال) - تشهد ليبيا منذ سنوات ارتفاعًا مقلقًا في معدلات الجريمة بمختلف أشكالها، من القتل والسرقات والابتزاز إلى الجرائم العائلية، وهو ما يعكس عمق الأزمة الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها البلاد بحسب تقرير لصحيفة الأنباء الليبية .
وأوضح الأخصائي الاجتماعي والنفسي خالد عطية في تصريحات للصحيفة أن استمرار الصراعات الداخلية وانعدام الاستقرار أدى إلى خلق بيئة ملائمة لتفشي الجريمة، حيث يضعف ذلك من قدرة الدولة على فرض القانون ويزيد من انتشار السلوكيات العدوانية بين المواطنين.
وأشار عطية إلى أن الضغوط الاقتصادية المزمنة تولد شعورًا بالإحباط والعجز لدى الأفراد، ومع غياب الدعم النفسي والاجتماعي تتحول هذه المشاعر لدى البعض إلى عنف وسلوك إجرامي، بينما يزيد تدني المستوى التعليمي وغياب برامج التثقيف الاجتماعي من قابلية الأفراد للانخراط في سلوكيات عدوانية، ويحد من قدرتهم على التعامل مع المشكلات بطرق سلمية وبنّاءة، مؤكدا أن هذه العوامل تتفاعل لتجعل الفرد أكثر عرضة للانحراف في مجتمع يعاني من هشاشة اقتصادية واجتماعية مستمرة.
- دور الأسرة والمجتمع في تصاعد الجرائم
و شدد عطية على الدور المحوري للأسرة في توجيه السلوك الفردي، لكنه أشار إلى أن التفكك الأسري والنزاعات على الميراث وأساليب التنشئة غير السليمة يساهم بشكل مباشر في تصاعد الجرائم العائلية، إلى جانب انتشار بعض السلوكيات السلبية مثل تعاطي المخدرات وتجارة السلاح.
وقال إن ضعف دور الأسرة كمصدر للأمان النفسي والقيم الأخلاقية يجعل الأفراد أكثر هشاشة أمام الانحراف، خصوصًا في بيئة اجتماعية مضطربة تتسم بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، ما يزيد من احتمالية انخراط الشباب في الجرائم.
- أسباب غياب التدخل الإنساني عند وقوع الجريمة
وفيما يتعلق بسلوك المجتمع تجاه الجرائم، أوضح عطية أن غياب التدخل الإنساني عند وقوع الجرائم في الأماكن العامة، والمعروف اجتماعيًا بـ”غياب النخوة”، يعود إلى مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية، من بينها الخوف من الانتقام نتيجة انتشار السلاح وضعف الحماية القانونية، وانعدام الثقة في الأجهزة الأمنية ما يقلل شعور المواطن بالمسؤولية تجاه حماية المجتمع. وأضاف عطية أن ظاهرة “المراقب المتفرج” تفسر أيضًا هذا السلوك، حيث يفترض كل فرد أن الآخرين سيتدخلون بدلاً عنه، فينتهي الأمر بعدم تدخل أي شخص.
وأكد عطية أن سنوات العنف الطويلة ساهمت في تآكل القيم الاجتماعية الأساسية، مثل التضامن والتكافل، التي كانت تشكل خط الدفاع الأول ضد الانحراف والجريمة، ما جعل المجتمع أكثر هشاشة أمام انتشار السلوكيات العدوانية واللامبالاة تجاه المظاهر الإجرامية. ولفت عطية إلى أن إعادة بناء هذه القيم يعتبر خطوة أساسية في معالجة ظاهرة الجريمة على المدى الطويل، إلى جانب تعزيز الشعور بالمسؤولية المشتركة بين أفراد المجتمع.
- حلول مطلوبة للحد من الجريمة
وأشار عطية إلى أن مواجهة هذا التحدي المركب تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فتعزيز الأمن وسيادة القانون يستلزم توحيد المؤسسات الأمنية وضبط عملها تحت سلطة الدولة ومنع أي نشاط مسلح خارج إطار القانون، إلى جانب تسريع إجراءات العدالة وتطبيق عقوبات رادعة ، لافتاة إلى أن تحسين الأوضاع الاقتصادية من خلال خلق فرص عمل حقيقية للشباب ودعم المشاريع الصغيرة والاستثمار في التعليم والتدريب المهني، يشكل عاملاً أساسياً في تقليل الدوافع الاقتصادية للجريمة.
وأكد عطية أن تعزيز برامج التوعية والتربية الاجتماعية عبر حملات إعلامية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام لترسيخ ثقافة نبذ العنف، وتعزيز قيم التعاون وحل النزاعات سلمياً، يشكل ركيزة هامة في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتحملًا لمسؤولياته، مبينا أهمية تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي وبناء شراكات مجتمعية يعزز الشعور بالأمان والانتماء، في حين يمثل الحد من انتشار السلاح من خلال برامج جادة لنزع السلاح غير القانوني وتنظيم حمله وفق ضوابط صارمة، مع مراقبة الأسواق غير الرسمية، خطوة ضرورية لضبط السلوك الإجرامي.
( وال )