تحلية مياه البحر .. مشروع استراتيجي يواجه تحديات مزمنة
نشر بتاريخ:
- حوار: أحلام الجبالي
بنغازي 14 يناير 2026 م (وال) - في ظل امتلاك البلاد لشريط ساحلي يتجاوز طوله ألفي كيلومتر على البحر المتوسط، ومع تذبذب وضع المياه الجوفية في ليبيا ، تبرز تحلية مياه البحر كخيار استراتيجي لا يحتمل مزيدًا من التأجيل لضمان الأمن المائي.
وقدّم عادل قدري سليم رئيس مجلس الإدارة المكلف للشركة العامة لتحلية مياه البحر، في حوار مع ( وال) صورة واضحة عن واقع محطات التحلية في البلاد، واصفًا الحالة العامة لها بأنها سيئة للغاية، نتيجة غياب الصيانة الدورية منذ عام 2014، وعدم تخصيص ميزانيات منتظمة، ما أدى إلى تعطل توريد قطع الغيار وتوقف برامج الصيانة الأساسية.
المحطات المحلية
وأوضح سليم أن هذا الإهمال انعكس مباشرة على القدرة الإنتاجية، حيث لا تعمل المحطات حاليًا إلا بنحو 25% من طاقتها التصميمية، وهو ما جعلها عاجزة عن تلبية الاحتياجات الفعلية للمناطق التي تخدمها.
وأشار إلى أن محطات التحلية تمتد جغرافيًا من طبرق شرقًا، إلا أن تغطيتها تبقى محدودة وغير كافية. فمحطة خليج البمبة متوقفة بالكامل، في حين تعمل محطات درنة وسوسة على تغذية شحات والبيضاء وبعض المناطق المجاورة، لكنها لا تفي بالطلب القائم.
كما تعاني محطة بوترابة، التي تغذي طلميثة والعقورية والمرج وصولًا إلى درنة، من تدهور فني واضح، بينما تواجه محطات زليتن والزاوية وزوارة ضغطًا متزايدًا، خاصة أنها أُنشئت منذ عام 2009، ولم تعد مواكبة للزيادة السكانية.
وبيّن سليم أن العمر الافتراضي لمحطات التحلية يُقدّر بنحو 20 عامًا، مع إمكانية مضاعفته في حال الالتزام بالصيانة وتغيير المكونات الرئيسية، غير أن غياب التمويل حال دون ذلك، فتوقفت بعض المحطات نهائيًا، فيما تعمل أخرى بحالة تهالك وبقدرات إنتاجية منخفضة.
وأكد أن استمرار عمل بعض المحطات يعود بدرجة كبيرة إلى جهود العاملين والمواطنين، الذين يلجؤون إلى حلول ذاتية لتوفير قطع غيار محدودة ومنع التوقف الكامل، رغم ما يواجهه العاملون من ضعف المرتبات وعدم تسويتها مقارنة بقطاعات خدمية أخرى، وهو ما يهدد الاستقرار الوظيفي ويؤثر على الأداء العام.
نقص المواد والمعدات
ولفت رئيس الشركة إلى النقص الحاد في قطع الغيار والمعدات والمواد التشغيلية، نتيجة ارتفاع كلفة الاستيراد وتأثرها بسعر الصرف، خاصة أن أغلب المستلزمات تُورّد من الخارج.
وأوضح أن المحطات مصممة تقنيًا للعمل في ظروف بيئية صعبة ودرجات ملوحة مرتفعة، إلا أن ذلك يبقى مشروطًا بإجراء صيانة دورية تحمي المعدات من التآكل والصدأ.
العناصر البشرية
وفيما يتعلق بالعناصر البشرية، شدد سليم على أن الكفاءات الوطنية مؤهلة وقادرة على تشغيل وصيانة المحطات بكفاءة، شريطة توفير الإمكانيات الفنية وتسوية أوضاعهم المالية، مؤكدًا أن العائق ليس بشريًا بقدر ما هو تمويلي وإداري.
وأشار في هذا الإطار إلى أن صندوق التنمية والإعمار باشر مؤخرًا التعاقد مع شركات متخصصة لصيانة محطات التحلية في المنطقة الشرقية، مثمنًا دور المهندس بالقاسم خليفة حفتر في تحريك هذا الملف بعد سنوات من الجمود.
واعتبر سليم أن تحلية مياه البحر تمثل خيارًا استراتيجيًا لا بديل عنه، واصفًا إياها بأنها مشروع حياة واستدامة، خاصة في ظل تزايد مؤشرات تلوث المياه الجوفية.
وكشف عن نتائج تحاليل أجريت على 29 بئرًا في منطقة خليج البمبة، أظهرت تلوثها رغم استخدامها من قبل المواطنين بسبب توقف محطة التحلية.
وأكد أن النهر الصناعي، رغم أهميته، لا يستطيع وحده تغطية كامل احتياجات ليبيا، وأن إنشاء محطات تحلية يُعد أقل كلفة من مد خطوط مياه لمسافات بعيدة، مستشهدًا بتجارب دولية مثل مصر والسعودية، حيث تتجه السياسات المائية الحديثة عالميًا نحو الاعتماد المتزايد على تحلية مياه البحر.
واختتم سليم حديثه بالإشارة إلى جملة من التحديات المؤسسية التي تواجه الشركة، أبرزها ضعف الإيرادات، وعدم تحصيل المستحقات، وارتفاع تكاليف الكهرباء والوقود، وانقطاع التيار الكهربائي، إضافة إلى عدم الاستجابة لمطالب تعديل تعريفة المياه المحلاة، وعدم إدراج مشروعات التوسعة وإنشاء محطات جديدة ضمن ميزانيات الدولة، رغم جاهزية مخططاتها منذ فترة.
(وال)