تقرير: الساحل الأفريقي بين كسر الهيمنة واختبار الدولة
نشر بتاريخ:
بنغازي 13 يناير 2026 (وال) - تشهد منطقة الساحل الأفريقي تحولات جيوسياسية متسارعة توصف من قبل قادتها الجدد بأنها "ثورة صامتة" على إرث الاستعمار والنفوذ الغربي، فيما تراها عواصم أوروبية، وعلى رأسها باريس، تحديًا مباشرًا لنظام تشكّل على مدى عقود.
في قلب هذه التحولات تقف دول، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي يقودها رؤساء انتقاليون ذوو خلفيات عسكرية، أسيمي غويتا في مالي، إبراهيم تراوري في بوركينا فاسو، عبد الرحمن تشياني في النيجر.
وقد نجحت هذه الدول، خلال أقل من ثلاث سنوات، في تفكيك معظم أدوات النفوذ الفرنسي التقليدي، من القواعد العسكرية، إلى الاتفاقيات الأمنية، وصولًا إلى الخطاب السياسي والإعلامي.
-من الانقلابات إلى المشروع السياسي الإقليمي
ما بدأ كسلسلة انقلابات عسكرية (2020–2023) تطور تدريجيًا إلى مشروع سياسي عابر للحدود، تُوّج بإعلان تحالف دول الساحل، المعروف اختصارا (AES)، كبديل عملي عن الأطر الإقليمية التقليدية مثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس"، التي باتت تُتهم من قبل قادة الساحل بأنها "أداة ضغط غربي".
من خلال متابعة هذه التطورات، يُلاحظ أن التحالف الجديد لا يقتصر على التعاون الأمني، بل يطرح طموحات أوسع، تنسيق دفاعي مشترك، سياسة خارجية متقاربة وخطاب سيادي رافض للوصاية الغربية.
-الفرنك الأفريقي (سيفا): الرمز قبل الاقتصاد
مثل الإعلان عن نية التخلي عن الفرنك الأفريقي (سيفا) البعد الأكثر رمزية في هذا التحول. فالعملة، المرتبطة تاريخيًا بالخزانة الفرنسية واليورو، لطالما اعتُبرت من قبل الحركات الوطنية الأفريقية، رمزًا للاستعمار الاقتصادي، قيدًا على السياسات النقدية وأداة نفوذ غير عسكرية لباريس.
ورغم عدم صدور جدول زمني رسمي لإطلاق عملة موحدة لدول الساحل، فإن الخطاب السياسي يؤكد أن المشروع قيد الإعداد، سواء كعملة مشتركة أو كنظام نقدي مستقل تدريجيًا. غير أن خبراء اقتصاديين حذّروا من تحديات الاستقرار النقدي، ضعف الاحتياطات ومخاطر التضخم والعزلة المالية. لكن القادة الجدد لدول الساحل يردّون بأن "الاستقلال السياسي لا يكتمل دون سيادة نقدية".
-جواز سفر موحد؟ إعادة رسم الخريطة الذهنية
في سياق متصل يعكس الحديث عن جواز سفر موحد لدول الساحل طموحًا يتجاوز الاقتصاد إلى إعادة تعريف الهوية السياسية في منطقة رسمت حدودها القوى الاستعمارية. وهذا المشروع، إن تحقق، قد يعزز حرية التنقل، يخلق سوقًا داخلية جديدة ويقلل الاعتماد على الأطر الأوروبية للهجرة لكنه، برأي المراقبين، قد يصطدم بواقع هش، يتمثل في أزمات أمنية، ضعف البنى الإدارية إلى جانب تحديات الاعتراف الدولي التي ستخلقها فرنسا وشركاؤها في الاتحاد الأوروبي وربما الولايات المتحدة.
-فرنسا وأوروبا: من النفوذ إلى القلق
تمثل هذه التطورات بالنسبة لفرنسا، أكبر تراجع استراتيجي لها في أفريقيا منذ ستينيات القرن الماضي ورياح الاستقلال الذي شكلته القوى الاستعمارية بما يخدم مصالحها رغم انسحابها العسكري تحت ضغوط الحركات الوطنية والمتغيرات الدولية. وبالفعل، فقدت باريس، وجودها العسكري في مالي والنيجر، ونفوذها السياسي التقليدي وقدرتها على التأثير المباشر في قرارات العواصم الثلاث. أما الاتحاد الأوروبي، فينظر بقلق إلى احتمال تمدد النفوذ الروسي والصيني، تفكك منظومة الشراكات الأمنية وتداعيات محتملة على ملف الهجرة والطاقة. ورغم الخطاب الأوروبي المتحفظ، فإن مراكز أبحاث غربية تتحدث عن فشل نموذج التدخل الغربي في الساحل، لا سيما بعد عقد من العمليات العسكرية دون استقرار فعلي.
-البعد الدولي: عالم متعدد الأقطاب على أبواب الساحل
ويرى مراقبون أن تحركات دول الساحل تتقاطع مع تحولات أوسع تشمل تراجع الهيمنة الغربية التقليدية، صعود قوى بديلة (روسيا، الصين، تركيا، البرازيل، الهند)، تنامي خطاب السيادة في الجنوب العالمي. ومن هنا تحاول العواصم الثلاث استثمار هذا التحول عبر، شراكات أمنية جديدة، تنويع العلاقات الاقتصادية على خلفية خطاب مناهض لـ"الاستعمار الجديد" يلقى استجابة واسعة في الشارع حيث تنتشر البطالة والفقر واضطرار الشباب للانخراط في مسالك الهجرة غير الشرعية في مواجهة مخاطر الموت في الصحراء أو البحر على متن قوارب متهالكة، وسط استمرار نهب المعادن النادرة والموارد الطبيعية التي تزخر بها القارة الأفريقية من قبل الشركات الاحتكارية الغربية والأمريكية وكذلك الشركات الصينية والروسية.
ومع ذلك، فإن الخطاب السيادي لدول الساحل يواجه تحديات داخلية لا تقل خطورة عن الضغوط الخارجية، أبرزها هشاشة مؤسسات الدولة، انتشار الفساد، والانقسامات الإثنية والجهوية، وهي عوامل بنيوية قد تعيق تحويل الطموحات السياسية إلى واقع مستدام إذا لم تُعالَج ضمن إصلاحات عميقة.
وفي موازاة الانفتاح على شركاء دوليين جدد كروسيا والصين، ورغم اختلاف أدواتهما عن النموذج الغربي التقليدي، فإن منطق المصالح يظل حاضرًا، بما في ذلك استغلال الموارد، وإن بأساليب أكثر نعومة. وهو ما يفرض على دول الساحل إدارة هذه الشراكات بحذر، حتى لا يتحول فك الارتباط بالهيمنة القديمة إلى تبعية من نوع آخر.
- بين الثورة والاختبار
إن ما يحدث في الساحل ليس نهاية فورية للنفوذ الفرنسي، ولا ولادة مؤكدة لنظام بديل متكامل، بل هو مرحلة انتقالية عالية المخاطر، النجاح فيها مرهون بـتحويل الخطاب السيادي إلى مؤسسات فعالة، تحسين الأوضاع المعيشية، إدارة العلاقات الدولية دون عزلة تعمل عليها القوى الغربية وعلى رأسها فرنسا. أما الفشل، فقد يعمّق الأزمات بدل حلّها. لكن المؤكد أن الساحل الأفريقي لم يعد ساحة صامتة، بل لاعبًا يسعى، لأول مرة منذ عقود، إلى إعادة كتابة موقعه في النظام الدولي.