Lana News
وكالة الأنباء الليبية
آخر الأخبار

صحيفة الانباء الليبية : المتقاعد - بين الغلاء والجحود وصمت السياسات الرسمية

نشر بتاريخ:

 -إعداد: عزيزة محمد

بنغازي 06 يناير 2026 (وال) – تحت عنوان (المتقاعد - بين الغلاء والجحود وصمت السياسات الرسمية ) تناولت صحيفة الانباء الليبية في تقرير مطول الأوضاع المالية والاجتماعية لشريحة المتقاعدين ، ومعاناتهم اليومية مع ارتفاع المعيشة ، وتدني معاشاتهم التقاعدية التي لا تلبي ابسط احتياجاتهم الأساسية في الصحة والغذاء .

واستهلت الصحيفة التابعة لـ (وال) تقريرها بالقول ( في صمت ثقيل يخلو من الضجيج، يعيش المتقاعد الليبي واحدة من أقسى مراحل عمره، مرحلة كان يفترض أن تكون أكثر استقرارا وأمانا بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء، لكنها تحولت إلى معركة يومية مفتوحة مع الغلاء الفاحش، وتدهور الخدمات الصحية، وشح الدخل، وتراكم الاحتياجات، وضعف القدرة على المواجهة .. فالمعاش التقاعدي الذي لا يتجاوز في أغلب الحالات 900 دينار لم يعد قادرا على مواكبة أبسط متطلبات الحياة، ولا يكفي لتأمين العلاج أو توفير الدواء، في وقت تتضاعف فيه الأسعار وتتآكل فيه القيمة الشرائية للدخل، بينما يثقل المرض كاهل الجسد الذي أنهكته سنوات العمل الطويلة.

وأضافت أن هذه الشريحة، التي أفنت زهرة عمرها في خدمة الدولة وبناء مؤسساتها، تجد نفسها اليوم أمام واقع قاسٍ لا يراعي تضحياتها ولا يحفظ كرامتها .. فالدخل المحدود لا يؤمّن الحد الأدنى من العيش الكريم، ولا يخفف من أعباء الشيخوخة، لتبقى المعاناة مستمرة، صامتة، ومؤجلة إلى إشعار آخر، في ظل غياب حلول جذرية أو سياسات عادلة تعيد الاعتبار للمتقاعد الليبي.

ونقلت الصحيفة شهادات مباشرة من بعض المتقاعدين تحدثوا فيها عن أوضاعهم وظروفهم المالية ، بعد انقضاء فترات عملهم الوظيفية ، احالتهم إلى التقاعد لبلوغهم السن القانونية ، وسنوات العمل ، وكذلك اراء خبراء القانون ، والشؤون الضمانية .

- خدمة بلا تقدير

في شهادة موجعة تختصر واقع شريحة واسعة من المتقاعدين، يروي المتقاعد عبدالسلام أحمد عمر من مدينة طرابلس حكايته التي تشبه في تفاصيلها سيرة وطن أنهك أبناءه، ثم تركهم يواجهون مصيرهم وحدهم ، يرى عبدالسلام أن المتقاعد في ليبيا لم يعد يعامل كمواطن له حقوق، بل كأنه «مواطن ميت لم يعلن دفنه بعد»، في بلد لا يعرف الوفاء لمن قدم عمره وصحته وخبرته من أجله.

ويقول " عبد السلام " أنه بعد (44) عاما قضاها في العمل، اثنان وأربعون عاما منها خدمة متواصلة، وثماني سنوات اغتراب داخل الوطن، نقل خلالها قسرا دون إرادته .. يستعيد ذاكرته عند محطة قاسية من حياته، ففي مثل هذا اليوم، وفي هذه الساعة تحديدا، كان يخوض حربا في فادا بتشاد، حيث سقط كثير من رفاقه شهداء، بينما بقي هو شاهدا على الألم والنجاة معا، يحمل ذاكرة الحرب وندوبها إلى يومه هذا.

وحين انتهت سنوات الخدمة الطويلة، احيل إلى التقاعد بلا وداع، بلا تقدير، وبإجراءات إدارية لم تستغرق أكثر من عشر دقائق، وكأن أكثر من أربعة عقود من العطاء يمكن طيها في لحظة صمت باردة ، ويوضح عبدالسلام أنه احيل للتقاعد عام 2022 بمرتب 1100 دينار، لكنه فوجئ بانقطاع المرتب لمدة ستة أشهر كاملة، في وقت كان يستأجر فيه منزلا بقيمة 1000 دينار شهريا منذ ثلاث سنوات، لتتراكم الديون وتتضاعف المعاناة دون أي أفق واضح للحل.

- الهجرة والرحيل

وحسب عبدالسلام فأنه يقيم مع أسرته المكونة من خمسة أفراد، ابنة وولدين، جميعهم يعملون إلى جانب دراستهم، في محاولة جماعية لتخفيف عبء الحياة ، فابنته الكبرى في سنتها النهائية بكلية الطب، تعمل معلمة في مدرسة خاصة، وتمارس التسويق الإلكتروني لتغطية جزء من احتياجات الأسرة، فيما يواصل أبناؤه الآخرون دراستهم بالتوازي مع العمل، بينما تعمل زوجته موظفة في أحد المصالح الحكومية ، لافتا إلى أن هذا التكاثف الأسري، كما يصفه، هو ما يمكّنهم نسبيًا من الاستمرار في حياة متوسطة بالكاد تُحتمل، لكنها تظل محفوفة بالقلق وعدم الاستقرار.

وفي ختام حكايته، يبوح بفكرة لم يكن يتخيلها يوما: الهجرة والرحيل إلى أي بلد آمن ومستقر، يضمن لأبنائه تعليما أفضل، ويمنحه بعض الهدوء في ما تبقى من عمره.

- وجه آخر للجحود

ولا تختلف قصة المتقاعد محمد علي رحومة الربيعي كثيرا عن سابقتها، فهي وجه آخر للجحود ذاته. فقد قضى الربيعي أكثر من أربعين عاما في خدمة وطنه، قدم خلالها زهرة شبابه دون تردد، مؤمنا بأن نهاية الرحلة ستكون أكثر طمأنينة وكرامة ، إلا أن لحظة الإحالة إلى التقاعد جاءت محملة بالإهانة والنكران، وكأن سنوات العطاء الطويلة لم تكن سوى رقم في سجل مهمل حسب قوله .

وقال حين كان من المفترض أن يكون التقاعد مساحة للراحة والاستقرار، فوجئ الربيعي بمعاش لا يتجاوز 900 دينار، مبلغ لا يغطي حتى ثمن العلاج، فضلا عن بقية متطلبات الحياة اليومية ، معتبرا أن هذا المبلغ إهانة صريحة، خصوصا حين يقارن حاله بحال من لم يقدموا خدمة حقيقية لهذا الوطن، ويتقاضون مرتبات بعشرات الآلاف دون وجه حق.

ورغم قسوة الواقع، يصر الربيعي على أن عزة النفس تمنعه من الاستجداء أو انتظار تفضل أحد عليه، لكنه في الوقت ذاته يتساءل بمرارة: أليس من حقه أن يعامل وفق درجته الوظيفية وسنوات عمله المضني؟ سؤال يعلق في فضاء الصمت، دون إجابة، في ظل غياب العدالة وتكافؤ الفرص.

وفي ختام روايته، يعلن موقفا أخلاقيا صارما، مؤكدا أن الرزق بيد الله، لكن الكرامة لا تُنسى، وأنه لن يسامح من كان سببا في إهانة المتقاعدين وإذلالهم وأكل حقوقهم، أو حتى من صمت وغض الطرف عن هذا الظلم.

وهكذا تبقى حكاية محمد علي رحومة الربيعي واحدة من آلاف القصص الصامتة لمتقاعدين حملوا الوطن على أكتافهم، ثم تُركوا يواجهون الشيخوخة والمعيشة القاسية بمعاش لا يوازي سنوات العطاء.

- نشاط مدني مستمر

في سياق تسليط الضوء على هذه المعاناة، قال حسن محمد الطاهر مختار، ناشط مدني وعضو في اللجان التحضيرية السابقة للمتقاعدين، إنه سبق وأن شارك في أكثر من ندوة حول حقوق المتقاعدين، مؤكدا أن هذه الشريحة تعد من أكثر الفئات ظلما في المجتمع الليبي.

وأوضح مختار أن المتقاعد تساوى مع أصحاب المعاشات التضامنية، في حين كان من المفترض ألا يتساوى من عمل وأفنى عمره في الوظيفة العامة، وقدم زهرة شبابه وكرس كل جهده ووقته لخدمة مجتمعه، مع من لم يعمل يوما واحدا في أي وظيفة رسمية، ولم يدفع درهما واحدا لخزينة الدولة.

وأضاف مختار أنه شارك في الملتقى الأول لنقابة المتقاعدين، وكان أحد أعضاء اللجنة التحضيرية للملتقى، بحضور رئيس النقابة العامة للمتقاعدين على مستوى ليبيا، كما شارك في ندوة حول ما بعد التقاعد في جامعة التقنية بمدينة براك الشاطئ، التي هدفت إلى تسليط الضوء على الحالة المالية والصحية والنفسية التي يصل إليها المتقاعد بعد الإحالة إلى التقاعد.

وبيّن الناشط المدني أنه تقدم بمقترح إلى الحكومة الليبية يقضي بإنشاء منتدى وناد للمتقاعدين في المنطقة الجنوبية، يضم مجلسا استشاريا يحتوي على مختلف الخبرات والكفاءات الموجودة في الجنوب، مبينا أن هذا المجلس يمكن من خلاله منح المتقاعدين مكافأة مالية مقطوعة تساعدهم على تحسين أوضاعهم المعيشية، إلى جانب الاستفادة من خبراتهم في خدمة المجتمع.

وأكد مختار أنه شارك كذلك مع صندوق التأمين الطبي في المطالبة بضرورة توفير تأمين صحي حقيقي للمتقاعدين وأسرهم، وليس تأمينا شكليا لا ينعكس على أرض الواقع.

وأضاف أنهم شاركوا في عدة اجتماعات وقدموا مبادرات متعددة لدعم حقوق المتقاعدين، وذلك برفقة الحاج محمد أبوخريص، نقيب المتقاعدين ورئيس نقابة المتقاعدين بالمنطقة الجنوبية.

وختم مختار حديثه مؤكدا استعداده الكامل، بصفته ناشطا مدنيا، لدعم هذه الشريحة عبر المبادرات والمقترحات والتوصيات والأعمال التطوعية، مشددا على أن قضية المتقاعدين ليست مطلبا فئويا، بل قضية عدالة اجتماعية تمس مستقبل المجتمع بأسره.

- قوانين وحقوق غائبة

من جانبه، أوضح الدكتور عبد المنعم مفتاح الشوماني، أستاذ القانون العام ومستشار قانوني، أن القانون رقم 13 لسنة 1980 بشأن الضمان الاجتماعي كان يُعد أيقونة في قوانين الضمان الاجتماعي على مستوى العالم، لما تضمنه من ضمانات قانونية متقدمة لشريحة المتقاعدين والمحالين للضمان الاجتماعي ، مشيرا إلى أن الأوضاع التي صدر فيها هذا القانون تغيّرت، في حين لم يتغير واقع المتقاعدين، مؤكدًا أن دوام الحال من المحال.

وأضاف أن القانون رقم 5 لسنة 2013 نص بوضوح على وجوب معاملة المتقاعدين بذات المعاملة المالية لموظفي الدولة، إلا أن غياب الدستور وتراجع العدالة الاجتماعية حالا دون تطبيق هذا النص، لتظل معاملة المتقاعدين كما هي، دون إنصاف فعلي. وأكد أن حق المتقاعدين ثابت بموجب التشريعات الليبية، لكنه لم يُترجم إلى واقع يضمن لهم حياة كريمة.

وفي السياق ذاته، قالت خديجة بدر كريم، معلمة وعضو بمنظمة بيت فزان في سبها، إن هذه المعاناة تعكس الواقع اليومي الصعب الذي يعيشه المتقاعد في ليبيا، مؤكدة أن ضعف المعاش لا يفي باحتياجات رب أسرة ليبية أفنى عمره في خدمة مجتمعه. وأوضحت أن دور المجتمع المدني يتمثل في مناصرة القضايا العادلة، معتبرة أن قضية المتقاعدين من القضايا المصيرية التي قد يواجهها الجميع يومًا ما.

وأضافت أن التقاعد تحول إلى كابوس حقيقي بدل أن يكون مكافأة، وأن معاناة المتقاعدين تمثل صرخة صامتة في وجه غول التضخم وارتفاع الأسعار، حيث لم يعد مبلغ 900 دينار يملك قيمة شرائية حقيقية في ظل سعر الصرف الحالي.

من جهته، أوضح المستشار القانوني عقيلة محجوب أن المشكلة لا تكمن في قوانين التقاعد، التي تمنح معاشا قد يصل إلى 80 في المائة من المرتب، بل في قانون المرتبات السابق الذي حدد أجورا متدنية ، مشيرا إلى أن البرلمان أصدر قانونا ينص على تعديل معاشات المتقاعدين باحتساب درجاتهم الوظيفية، لكنه لم يُطبق حتى الآن.

- كرامة ما بعد العمل

وأكدت بهيجة أحمد الأخضر، أخصائية اجتماعية، أن المتقاعد في ليبيا يحتاج إلى دعم حقيقي وجاد من الدولة والمجتمع معا، لأسباب إنسانية واجتماعية واقتصادية واضحة، مشددة على أن هذه الشريحة أفنت سنوات طويلة من عمرها في العمل وخدمة المجتمع، وقدمت خبراتها وجهودها في بناء المؤسسات وتنمية الوطن، ومن غير المقبول أن تُترك اليوم لمواجهة ظروف قاسية دون سند أو حماية.

وأوضحت الأخضر أن كثيرا من المتقاعدين يفاجؤون بعد الإحالة إلى التقاعد بضعف الراتب التقاعدي، الذي لا يواكب الارتفاع المتسارع في تكاليف المعيشة، سواء ما يتعلق بالعلاج أو السكن أو الاحتياجات اليومية الأساسية، خاصة مع التقدم في العمر وتزايد المتطلبات الصحية، وهو ما يجعل مرحلة التقاعد عبئا نفسيا ومعيشيا بدل أن تكون مرحلة راحة واستقرار.

وأضافت أن من واجب الدولة توفير حياة كريمة للمتقاعدين، من خلال تحسين الرواتب التقاعدية بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وتوفير تأمين صحي شامل وفعال، إلى جانب تقديم تسهيلات وخدمات خاصة تراعي أوضاعهم الصحية والاجتماعية.

وأشارت إلى أن الدولة التي تكرّم متقاعديها تزرع الثقة في نفوس العاملين الحاليين، وتشجعهم على العطاء بإخلاص واستقرار، لأنها ترسل رسالة واضحة مفادها أن الجهد لا يضيع، وأن الكرامة مصونة في كل مراحل العمر.

وبينت الأخضر أن دور المجتمع لا يقل أهمية عن دور الدولة، مؤكدة ضرورة احترام المتقاعد والاستفادة من خبراته المتراكمة، وإشراكه في الأنشطة الاجتماعية والتطوعية، بدل تهميشه أو تجاهله. كما شددت على أن دعم الأسرة للمتقاعد نفسيا ومعنويا يخفف كثيرا من شعوره بالضغط أو العزلة، ويساعده على التكيف مع متغيرات هذه المرحلة.

وفي ختام حديثها، أكدت الأخصائية الاجتماعية أن دعم المتقاعد ليس منة أو تفضلا، بل هو حق مشروع ورد جميل لمن خدموا مجتمعهم بإخلاص.

وتظهر معاناة المتقاعدين في ليبيا فجوة واضحة بين القوانين والتطبيق، ما يستدعي تعديل السياسات وتنفيذ التشريعات بعدالة، حتى تكون سنوات التقاعد مكافأة مستحقة لا معاناة مستمرة.

ختاما، تكشف معاناة المتقاعدين في ليبيا فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي، وتؤكد أن التحدي الحقيقي يكمن في تنفيذ القوانين بعدالة، حتى تكون سنوات التقاعد مكافأة مستحقة لا معاناة مفتوحة. (الأنباء الليبية) س خ.

ملاحظة : أنجزت هذه المادة الصحفية بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان ( JHR )

 ( وال)